الأربعاء، 19 يوليو 2017

وليتني أزحت وقود النار

يَسيرُ رجالُ الله في فَلَكِ الهدى
فأحسدَهمْ، والنومُ أثَّرَ في جَنبي

وأطلبُ قُرْباً في الجِنانِ وليتني
أزحتُ وقودَ النارِ يا ربِّ من قربي

وهل غُرَفُ الجناتِ ترنو بِحورِها
لمَنْ أسكنَ الشيطانَ في غُرفِ القلبِ

غرقتُ بجُبِّ السيئاتِ وليس لي
من العروةِ الوثقى سوى مَسكةِ الحُبِ

فيا ربِّ أنقذني بأسمائك التي
عَقدْتُ بها الآمالَ يا كاشفَ الكَرْبِ

ويا بالغَ الإحسانِ أنعمْ على الذي
إذا جاء ندماناً تَعثّرَ بالذنْبِ


ع ح

نفسي الفداء لمن أشري ابتسامتها

نفسي الفداءُ لمن أشري ابتسامتها
بالنفسِ والمالِ والعذّالِ والسَّكَنِ

فأنت لي سَكَنٌ لو كنت في زحلٍ
يا من يُطَفِّي هواها النارَ من شجني

يا مَن تَشيخُ وأهواها "بلا عُقَدٍ"
يَزيدُ حبُّكِ لألاءً مع الزمنِ

كوني كما أنتِ في بلوى وعافيةٍ
فلن تلاقي سوى التبجيلِ من لَدُنِي

وقد تَمَطَّتْ يدُ البلوى بناصيَتي
فما وجدتُ كمثلِ الصبرِ في المِحَنِ

أهواك أهواك لا لهواً وتسليةً
ولا امتناناً، ولا قيثارةَ الَّلحَنِ

أهواكِ أنتِ بلا شعرٍ وفلسفةٍ
بلا شبابٍ، ولا مالٍ، ولا حَسَن

كوني كما شئتِ؛ كوني سيفَ ذي يزن
أو بلبلاً يعشقُ التغريدَ في فَنَنِ

إن شئتِ في تَرَفٍ آتيكِ في تَرَفٍ
وإن تَزَهَدْتِ أهوى العيشَ في الخشنِ

ما دمتِ لي درةً فالأمرُ مؤتلفٌ
والمستقرُّ فؤادي.. مهجتي.. حضني

ع ح

الخميس، 13 يوليو 2017

أمنياتي قد أتى اللهُ بها



أمنياتي قد أتى اللهُ بها

.. مِنّةً في طَبَقٍ من ذَهَبِ

إذْ رأيتُ النورَ في بيتٍ به

.. مصحفٌ يتلوه أمي وأبي

سالمَ الأعضاءِ ما بي عِلَّةٌ

.. وافرٌ رزقي بأدنى نَصَبِ

لا أرى غيرَ نَعيمٍ خالدٍ

.. قد تبقّى من كثيرِ الطَلَبِ


ع ح

خطبة عيد الفطر 1438

خُطـبَةُ عِيدِ الفِطْرِ المُبَارَكِ
     

 اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وأَصِيلاً.

الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِصِـيَامِ رَمَضَانَ، وَأَعَانَنَا فِيهِ عَلَى الإِحْسَانِ، وَفَتَحَ للصالحين فِيهِ أَبْوَابَ الجِنَانِ. ونَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ونَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أَفْضَلُ مِن صَلَّى وَصَامَ، وَأَنْفَقَ وَقَامَ، وَحَافَظَ عَلَى شَعَائِرِ الدِّينِ العِظَامِ، صلى الله عليه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِم وَاقْتَفَى أَثَرَهُم إِلى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاشكُرُوهُ عَلَى نَعْمَائِهِ، وَاقْدِرُوا نِعْمَةَ هَذَا العِيدِ المُبَارَكِ قَدْرَهَا، فَقَدْ أَشْرَقَتْ شَمْسُ هَذَا اليَوْمِ السَّعِيدِ وَهِيَ تَحْمِلُ لَكُمْ جَائِزَةَ اللهِ، يَوْمًا جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ عِيدًا، جَائِزَةً لِصَبْرِكُمْ فِي رَمَضَانَ، فَاشكُرُوهُ أَنْ أَكْـمَلْـتُمْ لِلصِّيَامِ عِدَّتَهُ، وَكَبِّرُوهُ عَلَى أَنْ هَدَاكُمْ وَاجتَبَاكُمْ، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ علىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

 اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ واللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ.

أَيُّها المُؤْمِنُونَ:
تعلَّمنا فِي مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ أَنَّ حَيَاةَ المُسْـلِمِ كُلَّهَا للهِ، حُلْوَهَا وَمُرَّهَا، أولَها وآخرَها، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، فَلَيْسَ لِلطَّاعَةِ أَوقَاتٌ مَحْدُودَةٌ، وَلا أَشْهُرٌ مَعْدُودَةٌ، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. أَلا وَ"إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ".

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وأَصِيلاً.

مَعَاشِرَ المُسْـلِمِينَ:
يَقُولُ النبي صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا) فصِلوا أرحامكم على كل حال، وتجاوزا وسددوا وقاربوا وعليكم بمكارم الأخلاق ففي الحديث النبوي: حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ. وقال صلى الله عليه وسلم: إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبراء العنت. وقال صلى الله عليه وسلم: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يتحمل أذاهم".

 اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
احرِصُوا عباد الله عَلَى الإِخْلاصِ لله في كل أموركم تكن حياتكم عبادة، وداومواِ عَلَى القُرُبَاتِ فِي جَمِيعِ أَوقَاتِكُمْ، وَاجعَلُوا مِنْ أَعْـيَادِكُمْ رَافِدًا لِتَكَافُلِكُمْ وتآلفكم، وَمُعَزِّزًا لِوَحْـدَتِكُمْ ومحبتكم في الله، وَاشكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَظِيمِ فَضْـلِهِ، وَجَمِيلِ إِحْسَانِهِ، وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. زكوا أنفسكم وأموالكم، ومن لم يخرج زكاة الفطر فليخرجها صدقة، ونفسوا الكربات ما استطعتم ولو ببسط الأكف بالدعاء يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ) مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ(.



هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، كما أمركم ربكم حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.

السبت، 1 يوليو 2017

فهل يستبان الرشد؟

‏تَمَكَّنَ أفراخُ الطُّغاةِ فَسَادُوا
‏.. وغالبُ أفعالِ المُلوكِ فَسَادُ
‏فيا أمةً حادَتْ عن الحقِ مُذْ رَقى
‏.. يَزيدُ على كرسيِّها وزِيادُ

‏فعاثوا باسمِ اللهِ فسقاً بأرْضِهِ
‏.. وَدِيسَ بأقداسٍ، وضلَّ جهادُ
‏إذا ما سبيلُ الرشدِ لاحَ تنكّبوا
‏.. وما سَيرُ من ضَلوا الطريقَ وحادوا؟!

‏ألا وَيَمينَ اللهِ لَن تَرتقوا العُلى
‏.. إلى أن يُولّى للجَديرِ قِيادُ
‏ 
‏قويٌ أمينٌ بانتخابٍ وبَيعةٍ 
‏.. لتَصلُحَ أحوالٌ لكم وبلادُ

‏فيَقدحُ فيكمْ جذوةَ الخيرِ والهُدى 
‏.. كما قُدحتْ للمستنيرِ زِنادُ
‏فإنْ لم تَعُودُوا للهدى في مسيركمْ
‏.. تَعُودُوا كما عادتْ ثمودُ وعادُ

‏نَصحتُكمُ نُصحي على خوفِ بَطشِكمْ
‏.. فأنتمْ على من يَنصحون شِدادُ
‏فهل يُستبانُ الرشدُ لو في ضحى غدٍ  
‏.. ويُترَكُ جهلٌ فيكمُ وعناد؟!
‏ع ح

الأربعاء، 21 يونيو 2017

تحية مشتاق مضمخة عطرا



‏سلامٌ على دُرٍّ كمثلِ جبينِها
.. تحيةَ مشتاقٍ مضمخةً عطرا
سلامٌ على العينينِ والمهجةِ التي
‏.. تَشِعُّ من الأنوارِ ما يُلهبُ الشِّعرَ
‏سلامٌ على أنفٍ عقيفٍ مهندٍ
‏.. ونفسٍ لها نفسي الفداءُ وما أحرى
‏سلامٌ على ثغرٍ رشفتُ حديثهُ
‏.. رضاباً، وكان اللغوُ منهُ لنا خمرا
‏سلامٌ على وجهٍ إذا هَلَّ تنمحي
‏.. مواجعُنا، والروحُ ترقصُ بالبشرى
‏سلامٌ على غصنٍ كدهناءَ لَدْنَةٍ
‏..تَماوَجُ، تَسقيها سماواتُها قَطْرا
‏سلامٌ على عِلمٍ وفهمٍ وحكمةٍ
‏.. ونكتةِ آدابٍ ويسرٍ يقي العُسرَ 
‏سلامٌ على الإيمانِ والطُهرِ والنَّقا
‏.. سلامٌ على دِينٍ شرحتُ به صَدرا
‏سلامٌ على دُرٍّ سلاماً يَلفُّها
... كما التفت الأغصانُ تحتضنُ الزهرَ
سلامٌ على دُرٍّ كمثل يقينها
... بما خُطَّ  من حقٍ على الرايةٍ الخَضرا
سلامٌ على دربٍ أنارَتْهُ سالكاً
لنسعد في الأولى ونسعد في الأخرى
سلامٌ يُحيلُ العَيشَ أنساً وبهجةً
‏.. ويَمهَد للجناتِ من حبنا مَسرى
سلامٌ على يومِ اللقاءِ وساعةٍ
.. تعاودني فيها المباهجُ والذكرى
سلامٌ عليها يوم غادرَ رحلُها
.. وما عرَّجَتْ إلا لتقتطفَ العُمْرَ
سلامٌ عليها يوم أنْ نُشِرتْ لنا
ويومَ انطوتْ عنا صحيفتُها الزَّهْرا
ع ح


الأحد، 4 يونيو 2017

القداس الأخير

‏القدّاس الأخير

‏إذا مرّتِ الذكرى فذكرك باقي

‏لِيسكُنَني وَجْدٌ بغيرِ فِراقِ

‏يؤمِّلني قلبي مُحالاً بوصلِكم

‏لأحيا بأحلامٍ، ولاتَ تلاقي

‏أداوي هُيامي بالتعللِ والمنى

‏وهل لمريضِ الشَّوقِ غيرَ عِناقِ

‏أطاردُ أوهاماً وأعلمُ كُنهَها

‏أومِلُ في غيِّ السَّرَى بلَحاقِ

‏لأترعَ كأسَ الموتِ خمرَ محبةٍ

‏وكم قد تساقينا الهوى بِدِهَاقِ 

‏أخدِّر منها يقظةَ العقلِ بالمنى

‏وعَقلُكَ والآمالُ خيلُ سباقِ

‏وإنْ حاولَتْ فكَّ الحبالِ بهجرِها

‏رَبَطْتُ على قلبِ الوصالِ وثاقي

‏وإن يعتبِ الأهلون جانبتُ أمرَهمْ

‏وفارقتُ فيها خُلَّتي ورفاقي

‏وإن ناصحوني بالدواءِ وبالرُّقى

‏حلفتُ لهم أنْ ليسَ ثمةَ راقي

‏تحنبلتُ أُرضيها، وودعتُ مالكاً

‏وَشِمتُ ذَرى نجدٍ وكنتُ عراقي

‏تضاءلتُ كي أفضي إلى ضيقِ سِربِها

‏وآنستُ ضُبَّانا وجُهْمَ نياق

‏هجرتُ لعينيها فضائي بأسرهِ

‏لألقى الرضا منها وطيبَ وِفاقِ

‏رضيتكَ قالت، إنما لستُ أرتضي

‏عقوقَ أبي لو جئتني ببُراقِ

‏وتلك وصاياهُ بأذني قوارعٌ

‏تقول بأرضي والقبيلِ لَصَاقي

‏أُطيعُ أبي حياً وأَعصيه ميتاً

‏أترضى بأن أحيا حياةَ نفاقِ؟!

‏فطلّقَ عقلي وصلَها، غيرَ أنهُ

‏بروحيَ سكناها لغيرِ طلاق

‏وأعلمُ من قلبي نصاحةَ قلبِها

‏وقُبلةُ صدقٍ عندها بصَداقِ

‏لها قدما صدقٍ بكلِّ فضيلةٍ

‏وقد طوَّقتْ عُنْقي بحُسنِ خلاقِ

‏وإنْ أنسَ لا أنسى مواقفَ دُرّةٍ

‏وظفرُ الرزايا ناشبٌ بخناقي

‏فقد كانت الكهفَ الذي فيه مأمني

‏وشَقّتْ نِطاقَيها لِرَأبِ نطاقي

‏سلامٌ عليها يوم جاءت، وودَّعَتْ

‏تقولُ: تَصَبَّرْ، والدموع سواقي 

‏فإنْ ودَّعتني اليومَ فالوصلُ سابقٌ

‏ولن أَحمِلَنْ عَفْرَاً بظهرِ عِتاقِ[1]!

‏سأدعو بأن تحيا السعادةَ عمرَها

‏وترقى إلى الرضوانِ سبعَ طباقِ

‏ألوِّن ذكراها بِحِبْرِ مشاعري

‏إلى أن يُقِرَّ الموتُ لونَ سِياقي

‏فإنْ جفَّ جفنُ الحزنِ بالموتِ بغتةً

‏فموَّالُ شِعري للشَّجِيِّ مآقي.

‏أبو أسامة 

 

‏٢٩/٤/٢٠١٦

 



[1]  العفر التراب، والعتاق جياد الخيل.

السبت، 3 يونيو 2017

ربّاه أنت الرجا


سافرتُ لمهمة في رمضان ونزلت أرضاً لم أجد فيها رمضان، فقلت:

ربّاهُ أنت الرجا في كل نائبةٍٍ
وكاشفَ الكرْبِ يا ربَّ السماواتِ

إنِّي نزلتُ بأرضٍ ما وجدتُ بها
إلا وجوهاً كريهاتٍ وحيَّاتِ

ماذا دهاني تركتُ الأهلَ في وطني
وجئتُ وحدي، وهل من حكمةٍ آتي

لبلدةٍ زيَّنَ الشيطانُ باطلَها
وأقبحُ القبحِ تزيينُ الضلالاتِ

يا ربِّ إنَّ همومي فتَّتتْ كبدي
فاكشفْ كُروبي وكفِّرْ لي خطيئاتي

والطف إلهي بأهلي جامعاً رحماً
لنا قريباً، وبلغني لغاياتي

واستُرْ عرائي إلهي واحمني أبداً
واجعلْ إلى الخير أعمالي ومسعاتي

وارزقنِِيَ اللهُ إخواناً ألوذُ بهم
صُبحَ الوجوهِ أسوداً في المُلماتِ

عقولُهم من هدى القرآنِ نيرةٌ
وصوتُهم واحدٌ، ليسوا بأشتاتِ

هم أسبقُ الناسِ للتقوى وأعدلُهم
وذكرُهم هزَّ عرشَ الظالمِ العاتي

فافتحْ ليَ البابَ يا رحمنُ متسعاً
فغيرَ بابك لم أطرُق بآهاتي

أبو أسامة

٥ رمضان ١٤٠٩ هـ 

الأربعاء، 10 مايو 2017

سقوط الجبال - مرثاة أبي الأزهر رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رثاء الأستاذ الشيخ أبي الأزهر أحمد بن سليمان بن علي الكندي رحمه الله..

 

سقوطُ الجبالِ يُريعُ العُقولا

ويُمسي به الطفلُ شيخاً كليلا

 

وما هِزَّة الطَودِ حين السقوط

بأعظمِ وقعاً وأدهى شمولا

 

من الزَّلزلاتِ العظامِ التي

تلي سقطةَ الموتِ تُردي الفُحولا

 

سقوطُ الهُداةِ، جبالُ النجاةِ،

يَشَلُّ الحياةَ، ويُعمي السبيلا

 

فلا غروَ أن نَشَجَتْ بعدَهم

سماواتُ ربي طويلاً طويلا

 

يُشاطِرها الكونُ في نشجِها

إذا استرجعتْ عاودَتْهُ ثقيلا

 

ولم أرَ كاليومِ في وقعه

فكانَ المصابُ عذاباً وبيلا

 

رأيتُ الرجالَ كمثلِ اليتامى

نشيجاً ؛ بكاءً ؛ نحيباً ؛ عويلا

 

لك الله يا سيدي في عُلاكَ

كأنْ قد تخيَّرتَ موتاً جليلا

 

حياتُك كانت قياماً على

حياضِ الجهاد تُعَلِّمُ جيلا

 

كأنَّكَ مِن حَجَرٍ شُكلتْ

قناتُك أو هيَ أقوى قليلا

 

تَعِبنا ونحن ذوو عَزمةٍ

وأنتَ كأنتَ قؤولاً فَعولا

 

حَملتَ على كاهِلَيكَ الثِّقالَ

وأسسَّتَ فِكراً وأنشأتَ جيلا

 

فمثلك يأبى المماتَ اختلاساً

كما قد أبيتَ الحياةَ ذليلا

 

تَنَاقلُ صورَتَكَ المُرْسِلاتُ

وتُشهِدُ موتَك مَلْكاً أصيلا

 

لقيتَ الإلهَ عُقيبَ الصيامِ

نقياً زكياً حميداً جليلا

 

أبا الأزهرِ النورُ يعلو ثراكَ

فطبتَ مساءً وطبتَ مَقيلا

 

بمثلكَ لا لن أقول تَعزَّى

لأني أراهُ ينافي الأُصولا

 

فأنتَ مصابُ البلادِ الذي

بَكَتْهُ الخلائقُ عَرضاً وطولا

 

ولو عَلموا كنتُ قلتُ: الدُّنى

فذلك والله أقوَمُ قيلا

 

ألستَ سليلَ المعالي الذي

إذا ما ادلَهَمَّتْ تكونُ الدليلا؟

 

وأنتَ الجَمالُ بخُلْقٍ، وخَلْقٍ،

وعِلمٍ، ودينٍ، وسُدْتَ العقولا

 

وأنت الذي قد كَسرتَ السِّهامَ

سهامَ العدوِّ فماتَ خجولا

 

وأنت الذي يتعبُ الوارثون

بدورِك فهو يريد القَبيلا

 

فأنتَ بأُمَّتنا أمةٌ

فهل تحسبنَّا سنلقى البديلا؟!

 

وأنتَ وأنت وأنت الذي

مدائحُنا فيك كانت قليلا

 

فصبراً عُمان على فَقدِهِ

وصبراً بني الدِّينِ صبراً جميلا

--------

 

ولم يبق لنا في الختام إلا تكرار أبياتك القائلة:

 

تركتَ فراغاً لا يُسَدُّ بربعنا

 وأجريتَ في الآماق من حسرةٍ دما

 

ولكنْ يُسلِّينا بأنَّكَ قادمٌ

إلى الله حيث البر والفضل والرحمى

 

كذاك يسلِّينا بأنَّك تَاركٌ

لنا خلَفاً نرجو بأن يتبعوا الرسما

 

بقي أنَّ في تلك المنيَّة عِبرةً

لِمَنْ نَسيَ الأُخرى وقد حَمل الإثما

 

فيالكِ مِنْ دنيا بك المرءُ سادرٌ

ولمَّا يفِق أو يحتسي ذلك السُّمَّا

 

وبعد: على خيرِ البريةِ كلِّها

صلاةً وتسليماً نفضُّ به الخَتما

 

 

 وطبت أستاذي حياً وميِّتاً، والسلام عليك في ديار الخالدين

 3 شوال 1420ه

عبدالله بن حمدان بن حمود الإسماعيلي


من أشكل عليه (وأنت كأنت) فليتأمل قول القاضي الجرجاني:

ما زال في الناس أشباهٌ وأمثلةٌ

حتى ظهرتَ فغاب الشكل والمثَلُ


-------

نقد قصيدة: "سقوطُ الجبالِ يُريعُ العُقولا" (الرثائية)

هذه القصيدة هي نموذج أصيل للرثاء الفاخر الذي يجمع بين الحزن الشخصي والتقدير الوطني/الديني للفقيد. لقد حققت القصيدة وحدة عضوية متينة جداً عبر الرابط الاستعاري المتكامل (Master Metaphor)، وهو مفهوم "سقوط الجبال".

أ. النظم الكلي: الوحدة الاستعارية المتصاعدة

تدور القصيدة حول استعارة محورية واحدة هي: الشيخ الراحل = الجبل/الطود. وهذا النظم ليس مجرد تشبيه، بل هو بناء تصاعدي يربط الحزن بانهيار الأركان:

1.      المقدمة (تأسيس الاستعارة): تبدأ القصيدة بتأكيد عِظم الفقد، حيث تجعل موت الشيخ مرادفاً لـ "سقوط الجبال" (الأبيات ١-٤). هذا هو الرابط الذي يفرض الوحدة على كل ما يلي.

o        "سقوطُ الجبالِ يُريعُ العُقولا" (البيت ١)

o        "سقوطُ الهُداةِ، جبالُ النجاةِ" (البيت ٤)

2.      الانتشار الكوني (مُضاعفة الأثر): تنتقل القصيدة لتجعل الحزن كونياً، حيث تشاطر السماوات والكون نشيج الرجال، وهذا يرفع مكانة المرثي من كونه شخصاً إلى كونه ركناً وجودياً (الأبيات ٥-٨).

o        "يُشاطِرها الكونُ في نشجِها" (البيت ٦).

3.      العظمة والمضاء (إثبات طبيعة الجبل): هذا القسم هو إثبات للصلابة الجبلية للشيخ في حياته، فهو لم يتغير ولم يذل، بل كان صلباً كالحجر، ثم جليلاً في موته (الأبيات ٩-١٦).

o        "كأنَّكَ مِن حَجَرٍ شُكلتْ قناتُك" (البيت ١٣).

o        "أنتَ كأنتَ قؤولاً فَعولا" (البيت ١٤).

4.      النتائج والأثر (الفقد الذي لا يُعوض): هذا القسم يربط الفقد بالبعد القومي والديني، مؤكداً أن الرثاء يخرج عن حدود الأصول التقليدية (لا تعزى)، وأن المرثي كان "أمة" بحد ذاته (الأبيات ١٧-٢٧).

o        "فأنتَ بأُمَّتنا أمةٌ / فهل تحسبنَّا سنلقى البديلا؟!" (البيت ٢٦).

ب. النظم الجزئي (القوة التعبيرية):

القصيدة مليئة بالنظم المحكم الذي يخدم فكرة العظمة والصلابة:

·         "وأنتَ الذي قد كَسرتَ السِّهامَ / سهامَ العدوِّ فماتَ خجولا" (البيت ٢٤): نظم قوي، يجعل فعل كسر السهام ناتجاً عن كسر إرادة العدو.

·         "وأنت الذي يتعبُ الوارثون / بدورِك فهو يريد القَبيلا" (البيت ٢٥): نظم مبتكر، يقلب فكرة الوراثة إلى تعب؛ لأن الدور ضخم جداً لدرجة أنه يحتاج إلى "قبيلة" لا إلى وريث واحد.

·         "فأنتَ بأُمَّتنا أمةٌ" (البيت ٢٦): نظم إيجازي، يلخص فكرة القيادة الفردية في كلمة واحدة.

الخلاصة: هذه مرثاة مُحكمة النظم، وبها وحدة عضوية قوية تقوم على استعارة الجبل، وتتدرج في تصوير الأثر الكوني ثم التاريخي، مُبتعداً عن مجرد تعداد المناقب إلى تصوير الفراغ الذي خلفه الفقد.

موقف ابن تيمية من حديث الفئة الباغية

  العقل في خدمة الميل قراءةٌ نقدية في موقف ابن تيمية من حديث الفئة الباغية --- ليس هذا المقال في الرجل، بل في المنهج. ولستُ أعرض لبواعثه ولا...