العقل في خدمة الميل
قراءةٌ نقدية في موقف ابن تيمية من حديث الفئة الباغية
---
ليس هذا المقال في الرجل، بل في المنهج. ولستُ أعرض لبواعثه ولا لسريرته، فذلك بابٌ لا يفتحه إلا من ادّعى علم الغيب. وإنما أعرض لما بين دفّتَي كتابه، وأحاكمه إلى ما احتجَّ به، وهذا وحده كافٍ.
وأمرٌ ينبغي تقريره ابتداءً: أن قوّة العقل ليست ضمانًا للإصابة. فالذكاء أداةٌ تخدم الوجهة التي وُجِّهت إليها، فإن انحرفت الوجهة كان الذكاء أشدَّ إضلالًا من الغفلة، لأن الغافل تُدرَك غفلتُه ولا تُدرَك حيلةُ الذكيّ إلا بعد عناء. وابن تيمية من أقوى من كتب في العربية جدلًا، وهذه القوّة نفسها هي موضع الخطر في المسألة التي بين أيدينا.
---
أولًا: الحديث الذي لا مخلص منه
قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمار بن ياسر: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».
أخرجه مسلم، وهو في نسخ البخاري، ورواه أحمد والترمذي والنسائي والطبراني من طرقٍ متكاثرة، ونصَّ ابن عبد البر على تواتر الآثار به، وتبعه الذهبي وغيره. وقد رواه المدنيون والمصريون والشاميون، لا الكوفيون وحدهم، فدعوى التوظيف الشيعي ساقطةٌ بتعدّد المخارج.
ثم قُتل عمار يوم صفّين في صفِّ عليٍّ بن أبي طالب، قتله رجلٌ من جيش معاوية. فوقع الخبر موقعه، وسُئل عمرو بن العاص عنه فارتاع، ودخل على معاوية، فكان الجواب المشهور: إنما قتله من أخرجه. وردَّ عليٌّ ردًّا مفحمًا: فيلزمكم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلَ حمزة، إذ أخرجه إلى أُحد.
هذه هي المادّة. وليس فيها ما يحتاج إلى فقيه، فاللفظ نصٌّ، والواقعة ثابتة، والانطباق ظاهر.
---
ثانيًا: طبقاتُ الجواب
الذي صنعه ابن تيمية في «منهاج السنة» و«مجموع الفتاوى» ليس جوابًا واحدًا، بل ثلاث طبقاتٍ متتابعة، كلٌّ منها يمسك بما يفلت من الأخرى:
الطبقة الأولى: التشكيك في الثبوت. ذكر أن طائفةً من أهل العلم طعنت في الحديث، وسمّى الحسين الكرابيسي، ونسب التضعيف إلى أحمد، وذكر أن في كثيرٍ من النسخ لا يرد الحديث بتمامه. ثم استدرك فقال إن مسلمًا رواه في صحيحه وإنه في بعض نسخ البخاري.
الطبقة الثانية: التشكيك في الانطباق. فإن سلَّمنا بالثبوت، فقال إن اللفظ ليس نصًّا في معاوية وأصحابه، بل يمكن أن يكون المراد به العصابة التي حملت على عمار حتى قتلته، وهي طائفةٌ من العسكر لا العسكرُ كلُّه.
الطبقة الثالثة: نزع الإثم عن الوصف. فإن سلَّمنا بالانطباق، فالبغيُ هنا بغيٌ عن تأويل، إذ قاتلوا مع معاوية ظنًّا منهم أن في جيش عليٍّ ظَلَمةً — يعني قتلة عثمان — يدفعون صيالهم، والمتأوِّل المجتهد لا يأثم.
فتأمّل البناء: لا يُطالَب الخصمُ بنقض واحدة، بل بنقض الثلاث. وإن نقض الثبوتَ عاد الانطباق، وإن نقض الانطباقَ عاد التأويل. وهذه صنعةُ من يعرف أن مادّته لا تحتمل جوابًا واحدًا يقوم بنفسه.
وأمرٌ ثانٍ يستحقّ الوقوف: أنه لم يزل يستوفي مادّة التضعيف بسطًا وتسميةً وعزوًا، ثم يدفعها بجملةٍ واحدة. والذي يبقى في أيدي الناس هو المبسوط لا المُجمَل، والمسمَّى لا المُبهَم. فتجد اليوم من ينقل «طعن فيه طائفة من أهل العلم» ولا يبلغ إلى تتمّته «لكن رواه مسلم في صحيحه». وهذا أثرٌ بنيويٌّ في طريقة العرض، يقع سواء قصده صاحبه أم لم يقصده.
---
ثالثًا: القرآن يحسم المصطلح
المرجع في تحرير اللفظ الشرعي إلى كتاب الله، وقد قال سبحانه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
فالبغيُ في الآية اعتداءُ فئةٍ على فئة، بما يوجب القتالَ حتى ترجع إلى أمر الله. وليس هو مجرّد الطلب، ولا هو خطأٌ اجتهاديٌّ يُثاب صاحبُه. ولو كان مما يُعذَر فيه لَما أُمرنا بقتال أهله.
وهذا يقطع الطبقة الثالثة من أساسها. فإن قيل إنهم متأوِّلون، قلنا: والآيةُ نزلت في متأوِّلين، إذ ما اقتتلت طائفتان من المؤمنين إلا ولكلٍّ منهما وجهٌ تحتجّ به. ولو كان التأويلُ رافعًا لوصف البغي لَما بقي للآية موردٌ أصلًا.
ثم إن تتمّة الحديث تسدّ الباب سدًّا: «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار». فهذه قسمةٌ لا تحتمل التسوية، ولا تحتمل أن يكون الفريقان على درجةٍ واحدة من الأجر. ومن قال إن الفريقين مأجوران، أحدُهما بأجرين والآخر بأجر، فقد ردَّ نصَّ الحديث بقاعدةٍ مستنبَطة، والقاعدةُ تُبنى على النصّ ولا تُهدَم به.
---
رابعًا: ازدواج المعيار
هنا يظهر الميل ظهورًا لا يحتمل التأويل.
فحين بلغ إلى عليٍّ رضي الله عنه، قرَّر أنه كان أولى بالحقّ من معاوية — ولم يكن له مندوحةٌ عن ذلك، فالأمرُ أشهر من أن يُدفع — ثم عاد فخطّأه في أصل القتال، وذهب إلى أن تركه كان أصلح، وأن القاعدين عن صفّين كانوا أسدَّ رأيًا منه.
وحين بلغ إلى الحسين بن علي، قرَّر أنه لم يكن في خروجه مصلحةٌ في دينٍ ولا دنيا، وأن في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن ليقع لو قعد في بلده، وأن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشرّ لم يحصل منه شيء، بل زاد الشرُّ ونقص الخير.
وحين بلغ إلى يزيد، لان القلمُ ولانت العبارة: لم يأمر بقتل الحسين، ولم يقصد حريق الكعبة، ولم يبلغ قتلى الحرّة ما قيل، ولا يُسَبُّ ولا يُلعَن.
فانظر أين وقع التشديد وأين وقع التخفيف. وقع التشديد على ابن بنت رسول الله وعلى رابع الخلفاء، ووقع التخفيف على من قاتلهما ومن قتل أحدهما. وهذا وحده — من غير حاجةٍ إلى الكلام في النيّات — يقوم دليلًا على أن المعيار غيرُ مطّرد. والمعيارُ إذا لم يطّرد لم يكن معيارًا، وإنما كان اختيارًا مُلبَسًا بلبوس المعيار.
وقد يقال: بل هذا اطّرادُ قاعدةٍ في ذمّ الخروج والاقتتال، لا انحياز. والجواب أن القاعدة نفسها هي موضع النزاع، كما يأتي.
---
خامسًا: القاعدة المنحازة
القاعدة التي بنى عليها هي الكفُّ عن قتال الفتنة، محتجًّا بأحاديث «القاعد فيها خير من القائم».
وهذه القاعدة لا تكون محايدةً أبدًا، مهما حسُنت وجهةُ قائلها. وبيان ذلك أن الكفَّ إنما يُطالَب به المتحرّك، ولا يُطالَب به الساكن، والساكنُ هو المتمكِّن صاحبُ الأمر. فمن دعا إلى ترك القتال في الفتنة فقد أعطى الغلبةَ لمن هو غالبٌ بالفعل، لا لأنه اختار ذلك، بل لأن بنية القاعدة تقتضيه.
ولهذا خرجت القاعدة من مقام النصيحة إلى مقام التشريع، فصار تركُ الإنكار على الحاكم أصلًا من أصول الاعتقاد عند من جاء بعده، وصارت شوكةُ الحاكم دليلًا على شرعيّته، وهذا عينُ ما جاء الإسلام لنقضه، إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أفضل الجهاد إنه كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر.
---
سادسًا: من تسكين الفتنة إلى استباحة الدم
قد يُظنُّ أن أثر هذا الموقف منحصرٌ في تاريخٍ مضى. وليس كذلك.
أثرُه الأول: تعميقُ الفرقة. فإن «منهاج السنة» كتاب ردٍّ لا كتاب تحقيق، وُضع لنقض كلام ابن المطهّر الحلّي. وصنعةُ الردّ تقتضي مقابلة الغلوّ بغلوٍّ مضادّ، فكلّما بالغ الخصمُ في تعظيم جانب، بالغ الرادُّ في تهوينه. فانتهى الأمر إلى أن صارت مسألةُ عليٍّ ومعاوية علامةً على الانتماء لا مسألةَ نظرٍ في الأدلّة، وصار من قال بظاهر الحديث متّهَمًا في مذهبه. وهذه من أعظم آفات هذا الباب: أن يُحمَل الحُكم على النصّ بحسب من يقول به، لا بحسب ما يدلّ عليه.
أثرُه الثاني: تأسيسُ آليّة التعطيل. فإن الطبقات الثلاث التي بُنيت هنا صارت قالبًا جاهزًا يُصبُّ فيه كلُّ نصٍّ ثقيل: يُطعَن في ثبوته، ثم يُضيَّق انطباقه، ثم يُنزَع عنه الإثم بدعوى التأويل. ومن ملك هذه الآلة لم يبقَ عليه نصٌّ يلزمه. وهذا هو أخطر ما في الأمر، لأن العطبَ في الأداة أشدُّ من العطب في المسألة الواحدة.
أثرُه الثالث: قلبُ قاعدة العذر. وهذا موضع المفارقة الكبرى. فقد وسَّع العذرَ بالتأويل توسعةً بالغة في موضعٍ واحد، هو صفُّ معاوية. ثم جاء في مواضع أخرى فضيَّق تضييقًا شديدًا، فقرَّر قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام وإن نطقت بالشهادتين، وأفتى في التتار بما أفتى مع إقرارهم بالإسلام.
فالنتيجة قاعدةٌ ذات وجهين: عذرٌ واسع لمن قاتل أهلَ الحقّ في الماضي، وتضييقٌ شديد على من خالف في الحاضر. وقد أخذت الجماعاتُ المستبيحة للدماء اليوم الوجهَ الثاني وتركت الأول، فجعلت من نصوصه أصلًا لتكفير المسلمين واستحلال دمائهم، وتُنسَب إليه على ألسنتها نسبةَ التلميذ إلى شيخه.
ويقول قائل: إنهم حمَّلوه ما لا يحتمل، وحرَّفوا بعض نصوصه، وقد يكون هذا واقعًا في بعض المواضع. غير أن العالِم يُسأل عن أثر قلمه كما يُسأل عن قصده، ومن كتب في التكفير والقتال بلسانٍ حادٍّ في زمن حربٍ ومحنة، ثم أُطلقت كتبُه في زمنٍ آخر بلا قيدٍ ولا سياق، فقد أورث الأمّةَ مادّةً تشتعل، ولا يرفع عنه التبعةَ أن يُقال إن اشتعالها لم يكن في حسبانه.
---
الخاتمة
إن في موقف ابن تيمية من حديث الفئة الباغية خللًا بيّنًا، وأن هذا الخلل ليس زلّةً عارضة بل ثمرةُ قاعدةٍ مطّردة، وأن القاعدة انتهت إلى نتيجةٍ باطلة، هي تسويةُ من دعا إلى الجنة بمن دعا إلى النار بعد أن فرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.
والفصلُ في هذا كلّه كلمةٌ واحدة: إن النصَّ حاكمٌ على الرجال، وليس الرجالُ حكّامًا على النصّ. فمن بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا، ثم دار به في ثلاث طبقاتٍ من التأويل حتى أفرغه من معناه، فقد قدَّم اجتهاده على البيان، وهذه هي المزلّة التي حذَّر منها القرآن حين قال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
---
ع ح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق