الجمعة، 16 يناير 2026

شرح مطلع المدحة النبوية

 

البيت الأول- الصفاء الكوني:

النص:

صَفا بِكَ عَيشٌ حيثُما أنتَ نازلُ | وتَحْلو وإنْ طالتْ إليكَ المَراحلُ


تفتتح القصيدة مطلعها بالفعل «صفا»، وهو اختيار دال يضع الصفاء – منذ الوهلة الأولى – حالة ناجزة لا وعدًا مؤجلًا؛ فالفعل الماضي هنا لم يأت لإفادة الزمن المنقضي، بل لإفادة التحقّق والثبوت، مقررًا أن هذا الصفاء حقيقة استقرّت في بنية المعنى، وتمّت بوصفها حالًا قائمة لا تنتظر تعليلًا ولا تُعلَّق على شرط، مما ينقل المتلقي دفعة واحدة من طور التوقّع والقلق إلى طمأنينة الإقامة في النتيجة.

ويأتي تقديم الجار والمجرور «بكَ» قبل الفاعل «عيشٌ» ليُحكم هذا التأسيس إحكامًا نظميًا دقيقًا؛ إذ لا يُترك الصفاء عائمًا ثم يُضاف سببه بعد ذلك، بل يعلّق منذ البدء بالمخاطَب. فالتقديم هنا يُفيد قصرًا سببيًا، يجعل الصفاء أثرًا مباشرًا لوجود المخاطب، لا صفةً طارئةً على العيش. وبذلك ينقلب ترتيب المعنى المألوف: فليس العيش هو الأصل ثم يأتي الصفاء تابعًا، بل الحضور هو الأصل، والعيش يتشكّل على ضوئه. ويُسهم تنكير «عيشٌ» في توسيع هذا الأثر، فلا يُحصر الصفاء في جانبٍ بعينه، بل يشمل التجربة كلّها، زمانًا وحالًا ومسارًا.

وفي هذا التركيب ينكشف لطف آخر؛ فالباء في «بك» ليست باء السببية المجردة، بل تحمل معنى الإلصاق والاتصال الوثيق، كأن الصفاء لا يأتي من المخاطب فحسب، بل يلتصق به التصاقًا لا ينفك، فيصير الحضور والصفاء شيئًا واحدًا. وهذا المعنى يتعمق حين نلاحظ أن الفاعل «عيشٌ» جاء نكرة، فلم يقل «العيش» بالتعريف، مما يفتح المعنى على كل عيش ممكن، لا عيش بعينه؛ فكأن أي عيش، في أي حال، يصفو بمجرد أن يقترن بهذا الحضور.

ثم يتسع الأفق بعبارة «حيثما أنتَ نازلٌ»، حيث تُنزع عن المكان خصوصيته الضيقة، ويُترك مفتوحًا على الامتداد. فـ«حيثما» تفيد عمومًا لا يستثني موضعًا، وكأن المكان كلّه يصير قابلًا لأن يحتضن هذا الصفاء. ويُتمّ اسم الفاعل «نازلٌ» هذا المعنى بإيحاء الثبات؛ فهو لا يصوّر فعلًا عابرًا، بل حالَ إقامةٍ واستقرار. ومع اجتماع عموم المكان وثبات الحال يتكوّن معنى الصفاء المقيم، الذي لا يتبدّل بتبدّل الأمكنة، لأنه متصل بالحضور لا بالظرف، وبالمعنى لا بالجغرافيا.

وفي لفظ «نازل» إشارة لطيفة أخرى؛ فالنزول يقتضي الاستقرار بعد حركة، والإقامة بعد سفر، فكأن المعنى يومئ إلى أن الصفاء لا يقتصر على حال الثبات الأصلي، بل يشمل حتى حالات الانتقال والترحال. فأينما نزلت، وحيثما استقررت، فثم الصفاء. وهذا يمهد تمهيدًا بارعًا للشطر الثاني الذي سيتحدث عن الطريق والمراحل، فيتحقق تماسك داخلي بين الشطرين، لا يجعل الثاني مجرد إضافة، بل امتدادًا عضويًا للأول.

ثم يتبدل في الشطر الثاني النسق الزمني تبعًا لتحرّك المعنى، فيأتي الفعل مضارعًا: «وتحلو». فبعد أن تقرّر الصفاء بوصفه حالةً مستقرة، ينتقل الكلام إلى تجربة الطريق، وهي بطبيعتها متجددة، متكررة، فيأتي المضارع ليواكب حركة السير، ويُصوّر تجدّد الإحساس مع كل مرحلة تُقطع. وفي هذا الانتقال من الماضي إلى المضارع دلالة على أن الصفاء المحقق في الإقامة يتحول إلى حلاوة متجددة في المسير، فلا ينقطع الأثر الطيب بتبدل الحال.

ويجيء التركيب الشرطي «وإن طالت» اعتراضًا مقصودًا، يُدخل عنصر المشقّة إلى قلب الصورة، لا ليُسلّمه زمام المعنى، بل ليُفرغه من سلطانه المألوف. فطول الطريق، الذي جرت العادة أن يكون مصدر عناء، يُقابَل هنا بالحلاوة، ثم يُسلب قدرته على الإفساد. ليست الحلاوة قائمةً رغم الطول فحسب، بل كأنها تنمو معه، حتى يغدو ما يُنتظر منه أن يُثقِل باعثًا على الاستعذاب. ويُعمّق هذا المعنى جمعُ «المراحل»، إذ تتوزع الحلاوة على الطريق كله، مرحلةً مرحلة، فلا تكون لذة الوصول وحدها، بل لذة الاقتراب المتكرر.

وفي إسناد الفعل «طالت» إلى «المراحل» لا إلى «الطريق» دقة معنوية بالغة؛ فالمراحل هي وحدات الطريق، ومحطاته المتعاقبة، فحين تطول المراحل يعني ذلك تكاثر المحطات وتباعد المسافات بينها، وهو ما يضاعف الإحساس بالمشقة في التجربة المعتادة. لكن البيت هنا يقلب هذا المعنى، فيجعل تكاثر المراحل وطولها سببًا لتكاثر الحلاوة وتجددها، لأن كل مرحلة تُقطع هي مرحلة أخرى من الاقتراب إلى المقصد المحبوب.

وتُحسم جهة المعنى بلفظ «إليك»، الذي يرفع الطريق من كونه مسافةً تُقطع إلى كونه انجذابًا واعيًا نحو مقصدٍ معلوم. وحين يتحدد المقصد، تتحول المراحل من أثقالٍ تُحتمل إلى مطالب تُرتجى، ويصير السير نفسه جزءًا من الغاية. وفي تعدية الفعل بـ«إلى» دون «نحو» أو غيرها إيحاء بالوصول المحقق، لا مجرد التوجه المحتمل؛ فـ«إلى» تفيد الانتهاء والبلوغ، فكأن المراحل، مهما طالت، إنما تنتهي إليك حتمًا، فلا خوف من ضلال ولا قلق من انقطاع.

وعند هذا الحد يتكشف التوازن الدقيق في توزيع الأزمنة: فالماضي في «صفا» أثبت الصفاء قاعدةً للإقامة، والمضارع في «تحلو» صوّر الحلاوة تجربةً متجددة في المسير. وهذا التوزيع ليس عشوائيًا، بل يعكس بنية المعنى العميقة؛ فالصفاء في الإقامة حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى تكرار الإثبات، أما الحلاوة في المسير فهي تجربة تتجدد مع كل خطوة، فناسبها المضارع الدال على التجدد والاستمرار.

ويُسهم الصوت في تدعيم هذا البناء؛ فامتداد الصاد في «صفا» يوحي بنقاءٍ منبسط، ولين الأصوات في «تحلو» ينسجم مع انسياب اللذة، بينما تُجسّد جهارة الطاء في «طالت» ثِقل المسافة، قبل أن تنحلّ في ليونة «المراحل». وهذا التناغم الصوتي ليس زخرفة خارجية، بل هو جزء من المعنى نفسه؛ فالأذن تسمع الصفاء في امتداد الصاد، وتحس الحلاوة في رخاوة الحاء واللام والواو، وتشعر بثقل الطريق في انفجارية الطاء، قبل أن تستريح في سلاسة اللام والميم في «المراحل».

وإذا نظرنا إلى البيت في كليته، وجدناه يقوم على مقابلة خفية محكمة بين الإقامة والترحال، وبين المكان والزمان؛ ففي الشطر الأول يحضر المكان عنصرًا محوريًا من خلال «حيثما أنت نازل»، وفي الشطر الثاني يحضر الزمان من خلال «طالت» و«المراحل». والبيت يوحّد بين العنصرين في معنى واحد، هو أن الصفاء والحلاوة لا يتأثران بتبدل المكان ولا بامتداد الزمان، لأنهما متعلقان بالحضور لا بالظرف.

وفي هذا التوحيد إشارة عميقة إلى أن التجربة التي تتحدث عنها القصيدة ليست تجربة مكانية ولا زمانية بالمعنى الضيق، بل هي تجربة وجودية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتجعل من الحضور نفسه مكانًا وزمانًا. فأينما كان المخاطب فثم المكان الصافي، ومهما طالت المراحل إليه فثم الزمان الحلو.

ومن اللطائف أن البيت يبدأ بفعل ماض «صفا» وينتهي بمصدر ميمي «المراحل»، وبينهما فعل مضارع «تحلو»، فكأن البيت يرسم خطًا زمنيًا كاملًا: ماضٍ محقق، وحاضر متجدد، ومستقبل ممتد في «المراحل» التي لم تنقطع بعد. وهذا يجعل البيت يحتوي الأزمنة الثلاثة في تركيب واحد، مما يعطيه كمالًا زمانيًا يناسب كونه مفتتح القصيدة.

ومن جهة المعنى الكلي، فإن هذا البيت يؤسس لنبرة القصيدة كلها؛ فهو يبدأ بالاحتفال لا بالشكوى، وبالصفاء لا بالكدر، وبالحلاوة لا بالمرارة. وهذه البداية المشرقة ليست خداعًا للمتلقي، ولا وعدًا كاذبًا، بل هي تأسيس لمنظور سيظل مهيمنًا على القصيدة كلها، حتى حين تدخل أطوار الألم والخيبة؛ فالقصيدة لن تنظر إلى التجربة من زاوية الانكسار، بل من زاوية التحول، ولن تجعل من الألم غاية، بل مرحلة في طريق الرشد.

وفي هذا المعنى تكمن براعة الاستهلال الحقيقية؛ فالمطلع الجيد ليس هو الذي يُبهر بلفظه أو يدهش بصورته فحسب، بل هو الذي يضع القارئ منذ البداية في الأفق الصحيح، ويهيئه لما سيأتي، ويعطيه مفتاح القراءة. وهذا المطلع يفعل ذلك كله؛ فهو يخبر القارئ منذ البيت الأول أن القصيدة ستكون قصيدة تحول لا انكسار، وارتقاء لا سقوط، ونور لا ظلام، مهما مرت بأطوار الألم والخيبة.

بهذا النسق المحكم ينهض البيت مفتتحًا القصيدة، بمعانٍ تنضج ثمارًا طيبة من تآلف الألفاظ وترتيبها؛ فيتولّد المعنى تدريجيًا من صميم التركيب وشبكة العلاقات النظمية بين الكلمات، مما يجعل الإقامة طمأنينة، والطريق لذة، مهيئًا القارئ منذ الوهلة الأولى لقصيدة يكون التحوّل فيها ارتقاءً لا انكسارًا، ونورًا لا وجعًا. وأرجو أن يخلد هذا المطلع في زاهيات المطالع نموذجًا مشرفًا لبراعة الاستهلال وحسنه؛ فهو بيت مكتفٍ بنفسه، صالح للاستشهاد في مواضعه، سلس اللفظ، حافل بشرف المعنى.

الخميس، 15 يناير 2026

فقه الفتح على الإمام

فقه الفتح على الإمام

(جمع للأدلة وبيان للضوابط)

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الصلاة من أجلِّ العبادات وأعظمها نظاماً، وقد شرعها الله تعالى على وجه يحفظ هيبتها ويرعى خشوعها وسكينة قلوب المصلين. ومن أصولها المقررة اتباع الإمام والاستماع لقراءته، وألا يتقدم عليه أحد ولا يشوش عليه بما يُخِلُّ بفكره ويذهب بقلبه.

والفتح على الإمام مسألة تتردد بين أصلين: أصل الإنصات المأمور به، وأصل التعاون على البر والإصلاح. فإذا لم يُضبط بضوابط شرعية أدى إلى مفاسد: من تشويش على الإمام وإرباكه، وهو منافٍ للسكينة المأمور بها، ومن ذهاب الهيبة والوقار اللذين هما من جملة مقاصد الجماعة، ومن انقطاع الخشوع وانشغال القلوب.

وهذا البحث يجمع أدلة المسألة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة وأقوال أهل العلم، مع بيان ضوابط الفتح ومحله وكيفيته، مرتبة حسب موضوعاتها.


الباب الأول: الأصل في المأموم الإنصات

الدليل من الكتاب العزيز

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204(

روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: «يعني في الصلاة المفروضة». وكذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي. والأمر بالإنصات عام، فلا يخرج عنه إلا بدليل.

الدليل من السنة النبوية

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا».

تنبيه: زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا» صححها جماعة من الحفاظ منهم: مسلم وأبو حاتم الرازي والطبري وابن حجر العسقلاني. وأخرجها أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأسانيد يقوِّي بعضها بعضاً. قال النووي رحمه الله: «هذا الحديث صححه مسلم ولا عبرة بتضعيف من ضعفه».

النهي عن منازعة الإمام في القراءة

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة، في الصلوات، حين سمعوا ذلك منه.

وأخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد من طريق الزهري عن ابن أُكَيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. قال الترمذي: «حديث حسن»، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان.

وجه الدلالة:

في الحديث كراهة منازعة الإمام في القراءة، والمنازعة هنا هي التشويش عليه بالقراءة معه. والفتح يدخل في المنازعة إذا لم يكن على الوجه المشروع وكان من غير حاجة معتبرة.

ووجه القياس: إذا كانت القراءة مع الإمام منازعة له توجب التشويش، فمن باب أولى أن يكون القفز من كل حدب وصوب في صفوف الصلاة للفتح على الإمام وتصحيح قراءته من غير حاجة ماسة منازعة أشد وتشويشاً أعظم؛ لأنه يُسبب للإمام الربكة ويُفقد الصلاة وقارها وخشوعها، ويشغل قلوب المأمومين عن الخشوع، وقد يؤثر على هيبة الإمام أمام المصلين.


الباب الثاني: مشروعية الفتح على الإمام عند الحاجة

الدليل من السنة

روى أبو داود عن المسور بن يزيد المالكي رضي الله عنه قال: «شهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركتَ آية كذا وكذا. قال: فهلَّا أذكرتَنيها».

وجه الدلالة: أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي على تنبيهه، بل عاتبه لماذا لم يذكِّره، فدل على مشروعية الفتح على الإمام عند الحاجة.

أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه

روى ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «إذا استطعمك الإمام فأطعِمه». قال الراوي: قلت لأبي عبد الرحمن: ما استطعام الإمام؟ قال: «إذا سكت».

وجه الدلالة: الفتح مشروع عند سكوت الإمام طالباً للتلقين، لا عند تردده في القراءة راجياً أن ينفتح عليه.

فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه

روى أحمد في مسنده: أن رجلاً كان يصلي عند المقام وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهذا يدل على مشروعية الفتح عند الحاجة.


الباب الثالث: ضوابط الفتح على الإمام

الضابط الأول: التفريق بين الفاتحة وغيرها

الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فإذا أخطأ الإمام فيها خطأً يُبطلها أو أُرتج عليه وجب الفتح عليه؛ لتوقف صحة الصلاة على قراءتها.

قال النووي رحمه الله: «وأما الأحكام ففيه وجوب قراءة الفاتحة وأنها متعينة لا يجزئ غيرها إلا لعاجز عنها، وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم».

وأما ما بعد الفاتحة من القراءة فهي سنة عند الجمهور، فالفتح فيها ليس بواجب إلا إذا كان الخطأ مغيراً للمعنى تغييراً فاحشاً.

الضابط الثاني: الفتح عند الخطأ المفسد للمعنى

اتفق العلماء على أن اللحن الذي يُغيِّر المعنى تغييراً فاحشاً يجب التنبيه عليه؛ كالذي يُحوِّل الحلال حراماً، أو العذاب نعيماً، أو ينفي ما أثبته الله، أو يُثبت ما نفاه، أو يخلط آية رحمة بآية عذاب. فإن القراءة حينئذ تصير كلاماً غير قرآن.

قال الباجي رحمه الله: «والفتح على الإمام إنما يكون إذا أُرتج عليه وإذا غيَّر قراءته؛ فأما من الإرتاج عليه فهو إذا وقف ينتظر التلقين، وأما إذا غيَّر القراءة فلا يُفتح إذا خرج من سورة إلى سورة أو من آية إلى أخرى، ما لم يخلط آية رحمة بآية عذاب، أو يغير تغييراً يقتضي كفراً؛ فإنه يُنبَّه على الصواب».

وقال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله في معارج الآمال - وهو نص نفيس يضبط المسألة بدقة متناهية -:

«ولا يُفتح عليه ما دام يتردد لطلب القراءة، ولا يُفتح عليه في غير الفاتحة إلا إذا أخطأ خطأً يغير المعنى، أو يُفسد الصلاة».

وهذا القول يؤصل لقاعدة جامعة: (الانتظار أولاً، ثم النظر في نوع الخطأ، فإن لم يكن مفسداً للمعنى فلا حاجة للتدخل).

أما اللحن الخفيف الذي لا يغير المعنى كالخطأ في حركة الإعراب مع بقاء اللفظ سليماً، فلا يجب الفتح عليه؛ لأنه لا يضر المعنى، والفتح حينئذٍ قد يكون تشويشاً من غير حاجة معتبرة.

الضابط الثالث: عدم المبادرة بالفتح

لا يُشرع الفتح لمجرد توقف الإمام أو تردده إذا كان ذلك يسيراً؛ فإن التوقف قد يكون للتنفس أو للتفكر، وقد ينفتح عليه من تلقاء نفسه.

قال النووي رحمه الله نقلاً عن أصحاب الشافعي: «ليست المسألة على قولين بل على حالين؛ فقوله: يُلقنه، أراد إذا استطعمه التلقين بحيث سكت ولم ينطق بشيء. وقوله: لا يُلقنه، أراد ما دام يردد الكلام ويرجو أن ينفتح عليه، فيُترك حتى ينفتح عليه، فإن لم ينفتح لُقِّن».

وقال السرخسي رحمه الله: «لا ينبغي أن يعجل المقتدي بالفتح على الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يُحوِجه إلى ذلك، بل يركع إن كان قد قرأ ما تصح به الصلاة، أو ينتقل إلى آية أخرى أو سورة أخرى».

الضابط الرابع: استصحاب الإخلاص عند الفتح

على المأموم إذا فتح على الإمام أن يستصحب الإخلاص لله تعالى في فتحه، وأن يقصد به وجه الله والنصيحة لإمامه وإخوانه المصلين، لا إظهار العلم والتفوق على الإمام؛ فإن ذلك من مداخل العُجب والرياء التي تُحبط العمل.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5)

فإذا دخل الفاتحَ العجبُ بنفسه واستشعار التفوق على الإمام، أو قصد إظهار علمه أمام الناس، أضاع عمله وكان فتحه وبالاً عليه. والواجب أن يكون قصده محض النصيحة والتعاون على البر، مع التواضع والاستحياء من الله أن يُري الناس ما ليس في قلبه.


الباب الرابع: الركوع بدل انتظار الفتح

القاعدة: إذا حصل المقصود من القراءة سقط المطلوب بالكمال.

إذا قرأ الإمام الفاتحة وقرأ شيئاً من القرآن يصح به المقدار المستحب ثم نسي أو توقف، فالأولى أن يركع؛ لأن القراءة المستحبة قد حصلت، والانتظار يُفضي إلى التشويش واللغط.

قال ابن عابدين رحمه الله: «يُكره للمقتدي أن يعجل بفتح، ويُكره للإمام أن يُلجئه إليه بأن يسكت بعد الحصر أو يكرر الآية، بل يركع إن كان قد قرأ ما تصح به الصلاة، أو ينتقل إلى آية أخرى ليس في وصلها ما يُفسد الصلاة، أو ينتقل إلى سورة أخرى».


الباب الخامس: من يفتح على الإمام وكيفيته

تقديم أولي العقول والرزانة

روى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».

وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم أيضاً: «لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم - ثلاثاً - وإياكم وهيشات الأسواق».

وجه الدلالة: أولو الأحلام والنُّهى هم أهل العقل والرزانة والعلم، وهم أولى بالتصدر للإعانة على إمامة الصلاة؛ لأنهم يعقلون عن الإمام فعله، ولأنه ربما احتاج إليهم في تذكيره ما أخل به، أو في استنابتهم إن نابه أمر.

وعلى هذا: إذا نسي الإمام يفتح عليه من يكون قريباً منه من أهل العلم والرزانة، بصوت هادئ يسمعه الإمام دون صراخ. أما تشويش البعيدين فهو تعدٍّ على حق القريبين، وإفساد للخشوع.

كيفية الفتح

يكون الفتح بتلاوة الآية التي وقف عندها الإمام أو أخطأ فيها، بصوت يسمعه الإمام دون إزعاج للمصلين. والأولى أن يقصد الفاتح بقراءته التلاوة مع الإرشاد، لا الإرشاد وحده؛ ليكون آمناً من إفساد صلاته.


الخاتمة: خلاصة الضوابط

بناء على ما تقدم من الأدلة وأقوال أهل العلم، نلخص الضوابط فيما يلي:

1.     الأصل في المأموم الإنصات لقراءة إمامه، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لحاجة معتبرة شرعاً.

2.     يجب الفتح في الفاتحة إذا أُرتج على الإمام أو أخطأ فيها؛ لتوقف صحة الصلاة عليها.

3.     يُشرع الفتح في غير الفاتحة عند الخطأ المفسد للمعنى الذي يُغيِّر حكماً أو يقلب مدلول الآية.

4.     لا يُشرع الفتح عند اللحن الخفيف الذي لا يُغيِّر المعنى، أو التوقف اليسير الذي يُرجى أن ينفتح فيه على الإمام.

5.     لا يُفتح على الإمام ما دام متردداً في القراءة، بل يُنتظر حتى يسكت طالباً للفتح.

6.     الركوع أولى من انتظار الفتح إذا نسي الإمام ما بعد الفاتحة وقد قرأ ما تصح به الصلاة، فالركوع أولى من انتظار الفتح أو إحواج المأمومين إليه.

7.     يفتح من يليه من أهل الرزانة يفتح على الإمام من يليه من أهل الرزانة والعلم، ولا يتقدم من في الصفوف الخلفية مع وجود من هو أولى منه.

8.     الفتح بصوت هادئ يكون الفتح بصوت هادئ يسمعه الإمام دون صراخ أو تشويش على المصلين.

9.     التجاوز عن سهو الإمام أولى إذا كان الخطأ يسيراً لا يُغيِّر المعنى؛ حفظاً لخشوع الصلاة.

10.التيقن من الخطأ قبل الفتح على المأموم أن يتيقن من خطأ الإمام قبل الفتح، ولا يجوز له الفتح بالظن، خاصة في الآيات المتشابهة، واختلاف القراءات القرآنية الصحيحة.

11.استصحاب الإخلاص على المأموم أن يستصحب الإخلاص عند الفتح على الإمام، فيقصد به وجه الله والنصيحة، لا إظهار العلم والتفوق؛ حتى لا يدخله العجب بنفسه فيضيع عمله.

وبهذه الضوابط تجتمع الكلمة، وتُصان الصلاة عن الفوضى، ويُحفظ مقصود الشارع في النظام والوقار والخشوع. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


توثيق المصادر

الأحاديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، مسند أحمد.

الآثار: مصنف ابن أبي شيبة، السنن الكبرى للبيهقي.

التفسير: تفسير الطبري (جامع البيان).

الفقه: المبسوط للسرخسي، رد المحتار لابن عابدين، المنتقى للباجي، المجموع للنووي، كشاف القناع للبهوتي، مطالب أولي النهى، معارج الآمال للسالمي.


والحمد لله رب العالمين

 


الأربعاء، 14 يناير 2026

Invitation



Have you ever wondered about the connection between the world’s major religions? 🌍📖

Judaism, Christianity, and Islam all originated in the same region and trace back to the same God. From an Islamic perspective, Islam isn’t a "new" religion; it is the final, preserved continuation of the same message taught by Moses and Jesus (peace be upon them).

Think of it through two very logical examples:

1️⃣ The Author’s Final Edition: 📚

If a great author releases several editions of a book and then announces, "This is the final, revised edition that contains my complete and updated message," wouldn't it be most logical to read that final version to understand the author's ultimate intent?

2️⃣ The "Latest Update" Logic: 💻

We see this in technology every day. When a new system update is released, it doesn't mean the previous versions were "wrong," but rather that the new one provides the most complete support and the latest guidance. If a modern, updated version is offered to you for free, it only makes sense to explore it.

This is how the Quran is viewed: it is the "Final Edition" and the "Latest Update" from the Heavens. It came to confirm, preserve, and complete the essence of all previous messages in one final, perfectly preserved book.

I’d like to encourage you—purely out of intellectual curiosity and a desire for understanding—to read the Quran directly. 📖✨

Not to debate it, but simply to see what it says. Just as we always look for the most updated version of anything important in our lives, it’s worth looking at what billions of people consider to be God’s final, complete guidance to humanity.

#Faith #Logic #Understanding #Quran #Perspective


الأحد، 2 نوفمبر 2025

قصة فيها عبرة للشعراء والنقاد

قضية بلاغية  من «دلائل الإعجاز»، تنير الدرب للشعراء والنقاد، يعرض فيها عبد القاهر الجرجاني واحدة من أعمق القضايا اللغوية والبيانية، وهي إشكالية "لم يكد يفعل"، من خلال حكاية طريفة بين الشاعر ذي الرمة والقاضي ابن شبرمة، جعلها الجرجاني منطلقًا لتحليل دقيق لمعاني الألفاظ وخطر الأحكام الارتجالية.


 القصة ومحل الإشكال


أنشد ذو الرمة في الكوفة قصيدة فيها قوله:

 إذا غيّر النأيُ المحبين لم يكدْ

 رسيسُ الهوى من حبِّ ميةَ يبرحُ

فقال ابن شبرمة معترضًا: "أراه قد برح!"
أي إنه فهم من قوله "لم يكد يبرح" أن الهوى قد فارق.

فاضطرب ذو الرمة، وظن أن القاضي أصاب، فبدّل البيت إلى:

 إذا غيّر النأيُ المحبين لم أجدْ

رسيس الهوى من حب مية يبرحُ.

لكن والد الراوي، لما سمع الخبر، حكم بأن كليهما مخطئ:

 أخطأ ابن شبرمة في فهمه.
 وأخطأ ذو الرمة حين غيّر شعره.
  وبيّن أن الصواب كما في قوله تعالى:
 ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾
 أي: لم يرها، ولم يقارب أن يراها.



 موضع الشبهة في "لم يكد"


جرى في كلام الناس أن يقولوا:
"ما كاد يفعل" و "لم يكد يفعل" في فعلٍ قد وقع فعلاً، لكن بعد عناء أو تردد.

مثل قوله تعالى:  ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾
 أي: فعلوا أخيرًا بعد تردّدٍ ومماطلة.


ومن هنا توهّم ابن شبرمة أن معنى "لم يكد يبرح" هو: برح بعد جهد.
لكن الجرجاني بيّن أن هذا ليس هو الأصل، وإنما هو استعمال عرفي حادث.

 
المعنى اللغوي الحقيقي لـ"لم يكد"

المعنى الصحيح في اللغة:

 أن الفعل لم يقع أصلًا،

 ولا قارب أن يقع،

 ولا ظُن أنه يمكن أن يقع.


فـ"كاد" في أصلها تدل على قرب وقوع الفعل،
فإذا نُفيت بـ"لم" صار معناها نفي المقاربة نفسها.
إذ من المحال أن يكون نفي المقاربة يوجب وقوع الفعل!
وإلا لكان معنى "ما قارب أن يفعل" هو "فعل"، وهذا تناقض.

 
متى تُستعمل "لم يكد" بمعنى "فعل بعد جهد"؟

إذا كان هناك مانع أو حال يُبعد وقوع الفعل، ثم زال المانع ووقع الفعل بعد مشقة،
فحينئذٍ يصح أن يُقال "ما كاد يفعل" أو "لم يكد يفعل" بمعنى "فعل بعد طول تردّد"،
كما في قوله تعالى:  ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.

أما إذا لم يقع الفعل أصلًا، ولا ظُن وقوعه،
فلا يجوز إلا أن تُلزم ظاهر اللفظ: أي لم يقارب أن يكون.

 
المعنى الدقيق في بيت ذي الرمة

البيت على التحقيق يعني:

 إذا تغيّر الناسُ عن عهود الحب،

 فإني لا يخطر ببالي أني قد أبرح هوى مية،

 ولا أقارب أن أبرح، فضلًا عن أن أبرح فعلًا.


فهو يصف ثبات الحب، لا زواله.
الهوى في قلبه راسخ ثابت، لا يُظن عليه الفتور أصلًا.

 
توضيح معنى الآية:  ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾

قال المفسرون:  "لم يرها، ولم يكد"
 أي: لم يقارب أن يراها أصلًا.


ولو كان "لم يكد" يوجب وجود الرؤية بعد الجهد،
لكان معنى الكلام: لم يرها ورآها!، وهو محال.
 

لمحة نحوية: "لم يكد" في جواب "إذا"

ذكر الجرجاني أن الفعل الماضي إذا وقع جوابًا لـ"إذا"
يكون معناه مستقبلًا.
ففي قوله:
 
إذا خرجت لم أخرج
 النفي للمستقبل، لا للماضي.


فكذلك قول الشاعر:
 
إذا رام نهضًا بها لم يكد / كذي الساق أخطأها الجابر
 المعنى: إذا أراد النهوض بها، لا يكاد ينهض، أي لا ينهض ولا يقارب أن ينهض.


فهذا دليل آخر على أن "لم يكد" لا تدل على الفعل بعد الجهد، بل على نفيه التامّ.


شرح مطلع المدحة النبوية

  البيت الأول- الصفاء الكوني: النص : صَفا بِكَ عَيشٌ حيثُما أنتَ نازلُ | وتَحْلو وإنْ طالتْ إليكَ المَراحلُ تفتتح القصيدة مطلعها...