حين يغيب الضابط: علل الحديث بين العلم والفن
إذا أردتَ أن تفهم معنى الانتقائية المنهجية على حقيقتها، فما عليك إلا أن تطالع كتب علل الحديث. ستجد فيها منظومة من “القواعد” التي لا تنضبط بضابط واحد، بل تُصرَّف بحسب النتيجة المرادة سلفًا: فيُحتَجّ بالقاعدة إن أثبتت ما يريده الناقد، وتُهمَل أو يُستثنى منها إن عارضت مراده.
الفرق بين العلم والفن
جوهر هذه الإشكالية يكمن في الفرق بين “العلم” و”الفن”: فالعلم يقوم على قاعدة مطّردة تُنتج النتيجة ذاتها كلما تحققت شروطها، كما في المنطق والرياضيات وقواعد النحو الصارمة. أما الفن فمرجعه الذوق والملَكة الشخصية، فيُحسِن فيه هذا ويُخطئ ذاك، ولا يمكن تحكيمه بميزان واحد. وعلل الحديث أقرب إلى هذا الثاني بداهةً، لأن نفس القاعدة الواحدة تُقبَل في حديث وتُرَدّ في آخر دون ضابط جامع يفصل بين الحالتين إلا “نظر الناقد” و”ممارسته” — وهي عبارات مطاطة تعني في حقيقتها: الحدس الشخصي.
القواعد الست وتناقضها الداخلي
تقوم علل الحديث على قواعد من أبرزها: التفرد، والمراسيل، وزيادة الثقة، وشروط الاتصال، وعنعنة المدلس، واعتضاد الضعيف بغيره. وكلها تكون مقبولة في حين، ومردودة في حين آخر، وكأنها لعبة رمي النرد:
- التفرد: قد يكون علة قادحة، وقد يكون منقبة يُحتجّ بها لإثبات الحفظ! فتفرد الثقة تارة “قرينة على شذوذه” وتارة “قرينة على ضبطه”، ولا فارق حقيقي بين الحالتين إلا رغبة الناقد في القبول أو الرد.
- زيادة الثقة: قاعدة مضطربة بذاتها، إذ قسّمها العلماء أنفسهم إلى قبول مطلق، ورد مطلق، وتفصيل — وهذا الاضطراب في تأصيل القاعدة دليل على أنها ليست قاعدة علمية بالمعنى الدقيق، بل توصيف بعدي لما استقر عليه ذوق الناقد.
- عنعنة المدلس: يُشترَط فيها التصريح بالسماع أحيانًا، ويُتسامح فيها أحيانًا أخرى بناءً على “معرفة” مسبقة بشيوخه، وهذه المعرفة نفسها ظنية غير منضبطة.
- اعتضاد الضعيف بغيره: أضعف القواعد إحكامًا، لأنه لا حدّ فاصلًا بين “الضعف اليسير المنجبر” و”الضعف الشديد غير المنجبر” إلا التقدير الشخصي.
فحين تسأل الناقد: “ما الضابط الذي فرّقتَ به بين هذين الموضعين المتماثلين ظاهرًا؟” لا تجد جوابًا علميًا، بل إحالة إلى “الممارسة” و”طول النفس في هذا الشأن”، وهذا اعتراف ضمني بأن الحكم ذوقي لا برهاني.
شهادة ابن رجب
وقد كشف ابن رجب الحنبلي هذه الحقيقة بنفسه حين قال: “ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه”. وهذا نصٌّ من إمام في الصنعة نفسها يعترف بانعدام الضابط الكلي، وهو بعينه تعريف الفن لا العلم؛ إذ العلم لا يُنتقَد فيه كل فرد بحكم خاص به مستقل عن القاعدة الكلية، وإلا بطلت فائدة القاعدة من أصلها.
فإذا صحّ أن المحدّث ينتقل من حديث إلى حديث بحكم “خاص” في كل مرة، فهذا يعني أن القاعدة العامة لم تعد حاكمة، وإنما أصبحت غطاءً لفظيًا يُستدعى بعد أن استقر الحكم في نفس الناقد بطريقة أخرى — وهذا بعينه ما يسميه المناطقة “المصادرة على المطلوب” أو التوظيف الانتقائي للقاعدة، وهو جوهر ما نصفه بالانتقائية المنهجية: أن يُلبَس الحكم المسبَق ثوب البرهان.
المقارنة بمنهج المتكلمين
من المفارقات الدالة أن المتكلمين — والمعتزلة على رأسهم — حين تصدَّوا لنقد الأخبار، وضعوا ضابطًا كليًا واحدًا لا يتغير: موافقة الخبر لمقتضى العقل والقرآن. فالخبر الذي يخالف القطعي العقلي أو النصّ القرآني مردود أيًا كانت سلسلة رواته، والخبر الموافق مقبول بغض النظر عن كثرة الطرق أو قلتها. هذا ضابط مطّرد لا يتغير بتغيّر الحديث المعروض عليه، وهذا هو شرط “العلم” بالمعنى الدقيق: قاعدة واحدة تُنتج نفس الحكم في كل تطبيق.
أما نقّاد الحديث فقد استبدلوا بهذا الضابط الواحد المطّرد عشرات “القرائن” المتنافرة، ثم تركوا التوفيق بينها لذوق الناقد حين تتعارض. فمنهج المتكلمين يُخضِع النص لحاكمٍ واحدٍ ثابت خارج الرواية (العقل والنص القطعي)، بينما منهج المحدّثين يُخضِع النص لحاكمٍ متعدد داخلي متغير، وهذا الثاني بعينه ما يفتح باب الانتقائية، لأن الحاكم فيه هو الحكم نفسه لا معيار خارجي عنه.
شواهد تطبيقية من كتب العلل
- علل ابن أبي حاتم: يورد فيها غير موضع سؤالًا عن حديثين متماثلين تمامًا في الصنعة، فيُصحَّح أحدهما ويُعلَّل الآخر، ولا يُذكر فارقٌ منهجي بين الحالتين سوى عبارات من نحو “هذا أشبه” أو “هذا أصح عندي”، وهي أحكام تقريرية لا استدلالية.
- علل الدارقطني: أشهر مثال على تفرّد الناقد الواحد بأحكام لا يشاركه فيها غيره من الأقران في المسائل ذاتها، حتى عُدّ من أدقّ النقّاد “فهمًا” لا لأنه يملك ضابطًا يفوق غيره، بل لأن حدسه تجاوز غيره، وهذا اعتراف بأن الحكم استبطاني لا قاعدي.
- تناقض تطبيق زيادة الثقة: نجد في العلل ذاتها زيادة يقبلها ابن معين ويردها أحمد في نفس الإسناد، ثم نجد في موضع آخر عكس هذا الترتيب تمامًا دون أن يتغير نوع الزيادة أو صفة الراوي المائز.
الخلاصة
هذا التفاوت المُطَّرد بين النقّاد الأقران في الحديث الواحد — لا الاختلاف العرضي النادر، بل التفاوت الممنهج الذي وثّقه ابن رجب بنفسه — هو الدليل التجريبي على غياب القاعدة الكلية. فلو كانت علل الحديث علمًا بمعنى القواعد المطّردة، لتقاربت أحكام أئمته على الحديث الواحد كما تتقارب أحكام النحاة على إعراب الجملة الواحدة. أما وقد تباعدت واختلفت اختلافًا جوهريًا بين كبار الأئمة أنفسهم على نفس المادة، فهذا يرقى إلى برهانٍ استقرائي على أن الحاكم فيها هو الملَكة الفردية المتفاوتة بطبعها من ناقد إلى آخر. ولذلك لا يصح وصف علل الحديث بأنه “علم”، وإنما هو فن من الفنون كالطبخ والرسم وتصميم الأزياء بلا فرق: صناعة تُدرَّب عليها الملَكة كما يُدرَّب الطبّاخ على تذوق الملح والتوابل، لا علمٌ تُستنبط نتائجه من مقدمات مطّردة كما يُستنبط في المنطق أو أصول الفقه الصارمة.