البلاغةُ والعصرُ والإعجاز
قراءةٌ نقديةٌ في أطروحة الدكتور مختار
غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث
استمعتُ إلى مقابلةٍ للأستاذ الدكتور مختار غوث، جاءت على ضوء كتابه
«قضايا النقد العربيِّ القديم»، فوجدتُها مقابلةً تستحقُّ العناية؛ لأنَّ صاحبها
رجلُ علمٍ، يُقلِّب المسألةَ ويُثير من الأسئلة ما يستحقُّ الوقوف. وما يلي قراءةٌ
علميةٌ مجرَّدة، والذي حملني على الكتابة قَدْرُ علمه وجِدّةُ ما طرح. وغرضي بذل
الجهد لأُظهر جيّدَ ما قال، وأُميّز ما هو صوابٌ لكنه في غير موضعه، وأُبيّن
مواضعَ الغلط في وضوحٍ يرفع اللَّبس، فإنَّ المسائل إذا اختلطت أوقعت في الوهم من
حيث لا يُشعَر.
وأُجملُ خلاصةَ القراءة في صدرها ليبني عليها القارئ: أقوى ما عند
الدكتور إنما يَهدِم تصوُّرين مهلهلين — تصوُّرَ الإعجاز البديعيِّ المبتذَل،
وتصوُّرَ تقديس الشعر الجاهليِّ بوصفه ذروةَ البلاغة المطلقة — وكلاهما لا يُمثِّل
أرسخَ ما قرَّره المحقِّقون. أمَّا الإعجازُ في أصله، ومدارُه على النَّظم والعجزِ
عن المعارضة، فيبقى بعد كلامه قائمًا لم يُمَسّ، بل يزداد به وضوحًا. فالنزاع في
حقيقته نزاعٌ على الميزان الذي تُوزَن به البلاغة، وعلى موضع الإعجاز، لا على
وجوده.
الأطروحة في إجمالها
يدور كلام الدكتور على محورين متَّصلين. أمَّا الأول فنقدُ ما شاع من
حصر إعجاز القرآن في «البيان»، ودعوتُه إلى أنَّ المتحدَّى به مضمونُه ومعانيه لا
صياغتُه وحدها، وأنَّ الإعجاز وجوهٌ شتَّى لا وجهٌ واحد. وأمَّا الثاني فنقضُ دعوى
الإجماع على تفضيل الشعر الجاهليِّ، وتقريرُ أنَّ معيار الجودة هو الإبداعُ
والاختراع، وأنَّ شعراء العصر العباسيِّ أبلغُ من جهة المعاني المبتكَرة، وأنَّ
النقَّاد المحقِّقين حكموا بالجودة لا بالزمن. ويصل بين المحورين خيطٌ واحد: أنَّ
تقديس عصرٍ بعينه، أو حصرَ البلاغة في صورةٍ ضيّقة، تصوُّرٌ متأخِّرٌ لا يثبت أمام
النظر.
وهذا في جملته مقصدٌ شريف؛ فإنَّ ربط تذوُّق البلاغة بتعظيم عصرٍ دون
عصر خطأٌ نقديّ، وحصرَ الإعجاز في المحسِّنات البديعية اختزالٌ مُخِلّ. لكنَّ
الدكتور — وهو يُحرِّر هذا — يبني على مقدِّماتٍ بعضُها يحتاج إلى تحرير، فيصل
أحيانًا إلى ما لا يلزم من حقٍّ قرَّره. وبيانُ ذلك يقتضي أن نضع المفتاح أولًا.
المفتاح: نظريةُ النَّظم وما تحُلُّه من إشكالات
أكثرُ إشكالات المسألة ينحلُّ بأصلٍ واحدٍ قرَّره عبد القاهر الجرجاني
في «دلائل الإعجاز»: أنَّ المزيّة ليست في اللفظ المفرد من حيث هو لفظ — وإلا
لرجَع الأمرُ إلى الجَرْس والنغمة — ولا في المعنى المجرَّد من حيث هو فكرةٌ وغرض
— إذ المعنى الواحد يشترك فيه البليغُ والعَيِيُّ — وإنما هي في النَّظم؛ أي في
توخّي معاني النحو فيما بين الكلِم. يقول: «ليس النَّظمُ إلا أن تضعَ كلامَك
الوضعَ الذي يقتضيه علمُ النحو، وتعملَ على قوانينه وأصوله». فالنَّظمُ موضعٌ
يمتنع فيه فصلُ اللفظ عن المعنى.
وبهذا الأصل ينكشف أنَّ كثيرًا من التقابلات التي يُبنى عليها الجدل —
«بيانٌ مقابل مضمون»، و«لفظٌ مقابل معنى»، و«قديمٌ مقابل محدَث» — تقابلاتٌ
تجاوزها عبد القاهر؛ لأنَّها كلَّها تفترض أنَّ المزيّة في أحد الطرفين، والصوابُ
أنَّها في تأليفهما. فمن أراد أن يَزِن البلاغةَ بالمضمون وحده، أو بالاختراع
وحده، أو بعصرٍ بعينه، فقد وزنها بغير ميزانها. ومتى استقرَّ هذا الأصل، صار فرزُ
كلام الدكتور إلى صوابٍ نافعٍ وصوابٍ غيرِ ماسٍّ وغلطٍ بيِّنٍ أمرًا ميسورًا.
أولًا: في الإعجاز والتحدِّي
الإعجازُ وجوهٌ، والنَّظمُ مركزُها
أصاب الدكتور في إنكاره حصرَ الإعجاز في وجهٍ واحد؛ فإنَّ التشريع
والإخبار بالغيب والهدايةَ وبناءَ الرؤية من وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء.
لكنَّ هذا لا يلزم منه إخراجُ البيان، ولا جعلُ «المضمون» وحده هو المُعجِز. بل
إنَّ قولَه «المعجِزُ مضمونه لا بيانه» يضع الإعجازَ في أضعف موضع؛ لأنَّ المضمون
المجرَّد قابلٌ للنقل والاشتراك، ولا تظهر المزيّةُ فيه بذاته، بل في كيفية نظمه.
ويقطع النزاعَ في هذا برهانُ الترجمة: لو كان الإعجازُ في المضمون
لكانت الترجمةُ الأمينةُ — وهي تنقل المضمون — مُعجِزةً بقدرِ ما تنقل. ولمَّا
أجمع المسلمون على أنَّ الترجمةَ ليست قرآنًا ولا مُعجِزةً، عُلِم أنَّ جانبًا
أساسيًّا من الإعجاز قائمٌ في النَّظم العربيِّ نفسِه. على أنَّ من الوجوه ما يثبت
مع الترجمة كالإخبار بالغيب والتشريع؛ فالحقُّ أنَّ الإعجاز وجوهٌ، منها ما
يُترجَم ومنها ما لا يُترجَم، والنَّظمُ منها وجهٌ مركزيٌّ لا يُلغى.
مدارُ التحدِّي على العجز
ومن أنفع ما يُحرَّر في هذا الباب أنَّ مدار التحدِّي على العجز عن
المعارضة، لا على اتِّفاق الناس في تفسير سرِّ الإعجاز. وبهذا يسقط اعتراضان: أنَّ
البلاغة لا يعرفها إلا البلغاء، وأنَّ الإعجاز ينقضي بموت الفصحاء. فالأعرابيُّ لم
يحتج إلى علم البلاغة ليُدرك عجزَه؛ سكَت ولم يُعارِض، وكان سكوتُه البرهان. بل
إنَّ تخبُّط المعارضين بين «سِحرٍ» و«شِعرٍ» و«أساطيرَ» إقرارٌ منهم بالعجز؛ إذ لم
يَقدروا أن يقولوا: هذا كلامٌ معتادٌ وهذا مثلُه. ويكفي في بقاء الإعجاز أن يثبت
العجزُ ممَّن هو أقدرُ الناس، ويُقِرَّ به أهلُ النظر في كل عصر.
القرآنُ غيرُ الشعر، والتحدِّي في جنسه
وممَّا أصاب فيه الدكتور قولُه إنَّ جعل القرآن نازلًا لتحدِّي «الشعر»
فيه نظر. فالقرآن نفى عن نفسه الشعرَ، والتحدِّي أن يُؤتى بسورةٍ من مثله في جنسه
هو، لا أن يُغلَب الشعراءُ في صناعة الشعر. ومن صوَّر التحدِّيَ مباراةً شعريةً
فقد أخطأ موضعه. وهذا يكشف ضعفَ مأخذٍ آخر يُثار: أنَّ قريشًا ليست قبيلةَ شعر؛
فإنَّ التحدِّيَ لم يكن للشعر أصلًا حتى يُشترط فيه ذلك.
عمومُ التحدِّي، ونقدُ حصره
غير أنَّ للدكتور في هذا الباب مآخذَ لا تَسلَم. فحصرُه التحدِّيَ في
أفرادٍ معدودين، أو في قريشٍ دون سائر العرب، أو دعواه أنَّ العرب لم يعلموا
بالقرآن إلا عام الوفود، كلُّها مردودةٌ بنصوص التحدِّي نفسها؛ فألفاظُها عامَّة،
تمتدُّ من المكِّيِّ إلى المدنيِّ، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وخبرُ
القرآن قد انتشر في الجزيرة قبل عام الوفود بزمنٍ طويل: شهِدت له الهجرةُ إلى
الحبشة، وبيعتا العقبة، ووفودٌ تَرِد للتثبُّت من أمره ﷺ. وعامُ الوفود زمنُ
الدخول الجماعيِّ في الدين، لا زمنُ أوَّل العلم به.
في نشأة النظرية، وفي الباقلانيِّ والشعر الجاهليِّ
ودعوى أنَّ القول بالإعجاز البيانيِّ لم يظهر إلا في القرن الثالث على
يد المعتزلة تحتاج إلى تحرير. فالتقعيدُ المفصَّل ازدهر في القرنين الثالث والرابع
— عند الجاحظ في «نظم القرآن»، والرمَّاني في «النُّكت»، والخطَّابيِّ في «بيان
إعجاز القرآن»، والباقلَّانيِّ في «إعجاز القرآن» — حتى تمَّ عند عبد القاهر في
القرن الخامس. والصَّرفةُ نظَّاميّةٌ معتزليّةٌ ردَّها الجمهور. لكنَّ إدراك
تميُّز القرآن سابقٌ على التقعيد، والفرقُ ظاهرٌ بين أصل الفكرة واكتمال بنائها.
وأصاب الدكتور في تنبيهٍ دقيق: أنَّ تخصيص «الشعر الجاهليِّ» بوصفه
الذروةَ المتحدَّى بها قولٌ متأخِّر، نبَّه إليه محمود شاكر ومحمد أبو موسى.
والدليل أنَّ الباقلَّانيَّ لم يجعل الجاهليَّ هو المتحدَّى به، بل نقد معلَّقةَ
امرئ القيس وقصيدةً للبحتري جميعًا، ليبيِّن أنَّ كلام البشر — قديمَه وحديثَه —
لا يخلو من المآخذ، بخلاف القرآن. فمقارنتُه مع أجود كلام الناس في أيِّ عصر، لا
مع الجاهليِّ خاصَّة. ويبقى أن يُقال: ربطُ الإعجاز بفصاحة العرب أصلٌ قديمٌ
معروفٌ عند الخطَّابيِّ والباقلَّانيِّ وغيرهما؛ فالأدقُّ التفريق بين هذا الأصل
القديم وبين تخصيص الجاهليِّ المتأخِّر، لا إطلاقُ نفي القول عمَّن سبق شاكر.
ثانيًا: في تفاضُل الشعر القديم والمحدَث
لا إجماعَ على تقديم الجاهليِّ
وهنا أصاب الدكتور إصابةً بيِّنة. فدعوى الإجماع على تفضيل الشعر
الجاهليِّ لا تثبت؛ والنقدُ القديم مملوءٌ بمآخذ على فحول الجاهلية. وضع
المرزبانيُّ «الموشَّح» لجمع مآخذ العلماء على الشعراء، بدءًا بالجاهليِّين، وقلَّ
أن يذكر ابنُ قتيبة في «الشعر والشعراء» شاعرًا إلا ذكر عيبه، وكذلك القاضي
الجرجانيُّ في «الوساطة»، وابنُ طباطبا في «عيار الشعر»، وأسامةُ بن منقذٍ في
«البديع». ومن أصرح ما يُحتجُّ به أنَّ ابن قتيبة جعل المعيار الجودةَ لا الزمن،
وقرَّر أنَّ القِدَم ليس مزيّةً والحداثةَ ليست منقصة. فمن ادَّعى الإجماعَ لم
يُحرِّر المسألة.
التمييزُ الحاسم: الحكمُ بالجودة شيءٌ، وتفضيلُ الاختراع شيءٌ آخر
لكنَّ هنا مربط الفرس. فثمَّة فرقٌ بين أن تحكم بالجودة لا بالزمن —
وهذا حقٌّ، وهو مذهب من سمَّاهم الدكتور: الجاحظ وابن قتيبة والصوليّ والمبرّد
وابن الأثير — وبين أن تجعل الاختراعَ وحدَه هو الجودة، وهي دعوى أخرى لم يقل بها
هؤلاء، وعليها بنى تفضيلَه العباسيَّ، وقولَه إنَّ التقليد لا قيمة له.
وعبد القاهر يهدم هذه الدعوى من جذورها؛ فالمزيّة في النَّظم لا في
غرابة المعنى، والمعنى المتداوَل إذا أُحسِن نظمُه فاق المعنى المخترَع إذا ساء
نظمُه. فالنسجُ على طريقة الأوائل ليس نقصًا في ذاته، بل قد يبلغ به صاحبُه ذروةَ
البلاغة؛ ولهذا قدَّم كثيرٌ من كبار النقاد البحتريَّ على أبي تمَّام لرصانة سبكه
وسلامة عموده، وعابوا على أبي تمَّام إغراقَه في التوليد حتى صار تكلُّفًا.
فتفضيلُ أبي تمَّام لأجل التجديد رأيٌ في مسألةٍ لم تُحسَم، لا حكمٌ مقطوعٌ به.
وحتى قولُه إنَّ الشاعر سُمِّي شاعرًا لأنه يَشعُر بما لا يَشعُر به الناس صحيحٌ
في الاشتقاق، لكنَّ الشعور هنا دقَّةُ الإدراك لا اختراعُ المعاني وحده؛ فالذي
يلتقط المشهدَ المألوف بحسٍّ نافذٍ ويصوغه صياغةً محكمةً شاعرٌ وإن لم يخترع.
الشاهدُ اللغويُّ غيرُ الشاهد البلاغيِّ
وممَّا أجاد فيه الدكتور تفريقُه بين الشاهد اللغويِّ والشاهد
البلاغيِّ. فالشاهد اللغويُّ — الذي يُحتجُّ به على صحَّة اللفظ والتركيب — محصورٌ
في عصور الاحتجاج، والمولَّدون مُخرَجون منه عند النحاة. أمَّا الشاهد البلاغيُّ —
الذي يُساق لتشريح جودة النَّظم — فلا يلزمه هذا القيد، لأنَّ الجودة تتحقَّق في
كل عصر. وبهذا يُفسَّر إكثارُ عبد القاهر من شواهد المحدَثين والأمويِّين في
«الدلائل»، والمولَّدين في «الأسرار»: فالغلبةُ لهم ظاهرةٌ، وعلَّتُها أنَّ الشاهد
البلاغيَّ لا يتقيَّد بزمن، وأنَّ المولَّدين وسَّعوا الاستعارةَ والبديعَ
والتمثيل فكثُرت أمثلتُهم الصالحة للتحليل. وليس في هذا تفضيلٌ لعصرٍ على عصر، بل
اقتضاءٌ للموضوع. والأصلُ أنَّ مذهب عبد القاهر نفسَه يُعلِّق المزيّةَ بالنَّظم
لا بالعصر ولا بالقائل، فهو غيرُ قائلٍ بتفضيل الجاهليِّ لذاته حتى يُقال: لو
اعتقده لاقتصر عليه.
الجاهليُّ لم يكن أسيرَ صحراء
وأمَّا تعليلُ غزارة المعاني في العباسيِّ بأنَّ العربيَّ كان أسيرَ
صحراءَ بلا جمالٍ طبيعيٍّ ولا عمران، فمبالغةٌ فيها نظر. فامرؤ القيس ابنُ ملوكٍ
رحل إلى قيصرَ ومات قريبًا من أنقرة، والأعشى جوَّابُ آفاقٍ امتلأ شعرُه بالصور
الحضرية من أسفاره ومديحه للملوك، وعامَّةُ أصحاب المعلَّقات على صلةٍ ببلاط
الحيرة — كطرفةَ وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزة وعبيد بن الأبرص — والنابغةُ
تردَّد بين الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق، وعديُّ بن زيدٍ كان كاتبًا في
بلاط الحيرة يعرف الفارسية وذكر الخورنق والسدير. فالعمرانُ والترفُ والجمالُ كان
بين أيديهم، لا محجوبًا عنهم.
فإذا سقط هذا التعليل، فالعلَّةُ في كثرة المخترَع عند العباسيِّ طَورُ
الصنعة ونضجُها وتراكمُ الفنِّ، لا سجنُ البيئة. ولاحظ أنَّ تعليلات الدكتور
نفسَها — الاختلاطُ بالثقافات، ودرسُ بلاغة السابقين، وتشرُّبُ أساليب القرآن —
كلُّها أسبابُ تراكمٍ وتطوُّرٍ عبر الزمن. بل تشرُّبُ أساليب القرآن حجَّةٌ لبلاغة
القرآن وبيانه؛ إذ يجعله ينبوعًا ارتقى به البيانُ بعده.
قياسٌ منقوض: «المعاني خيرٌ من الألفاظ»
ويبلغ كلامُ الدكتور غايتَه في قياسٍ صريح: المعاني خيرٌ من الألفاظ،
والمعاني أكثرُ في المولَّدين، فالمولَّدون خيرٌ من الجاهليِّين. وهذا القياس
منقوضٌ في مقدِّمتيه. أمَّا الكبرى فإنَّ دعوى أنَّ المعاني خيرٌ من الألفاظ ليست
مسلَّمة، بل هي طرفٌ من خصومةٍ قديمةٍ حسمها عبد القاهر بأنَّ المزيّة ليست في
اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، بل في النَّظم الجامع لهما؛ فالميزان غير ما بُني
عليه. وأمَّا الصغرى ففيها اشتراكٌ في لفظ «المعاني»: إن أُريد الأفكارُ والحِكَمُ
المبتكَرة فنعم هي أكثرُ في المولَّدين، لكنها ليست ما تحرص عليه البلاغةُ بمعنى
النَّظم؛ وإن أُريد معاني النحو التي عليها مدارُ البلاغة فليست حكرًا على عصر.
ثم إنَّ استشهاده بكلمة العتَّابي — «الألفاظ لنا والمعاني لهم» —
ينقلب عليه لا له. فالكلمةُ تجعل الألفاظ، وهي مجالُ البيان والصياغة، للعرب،
وتنسب المعاني، وهي مادَّةُ الفكرة المنقولةُ عن العجم، إلى غيرهم. فإذا كانت
البلاغةُ في حسن النَّظم وصياغة اللفظ، فقد أقرَّت الكلمةُ أنَّ هذا المجال
عربيٌّ، ولم تجعل للعجم إلا مادَّةَ الفكرة لا فنَّ العبارة. على أنَّ المولَّدين
— كأبي تمَّام والمتنبِّي — عربٌ يكتبون بالعربية؛ فلا يستقيم نقلُ قسمة العرب
والعجم إلى قسمة الجاهليِّ والمولَّد.
الشهرةُ والقِسمة
ومن حُججه أنَّ «مالئ الدنيا وشاغل الناس» قيلت في المتنبِّي لا في
امرئ القيس، فكيف يُقال الشاعر الجاهلي خيرٌ من الشاعر المولّد؟ والجوابُ أنَّ هذا
يُثبت شهرةً وأثرًا لا رجحانَ بلاغة؛ والشهرةُ تتبع وسائلَ العصر من تدوينٍ وشروحٍ
ومجالسَ وانتشار، والجاهليُّ عاش في بيئةٍ قبليةٍ أمِّيةٍ لم يكن فيها عالمٌ
يملؤه. فقياسُ المنزلة بالصيت كقياسها بعدد المعاني المخترَعة، كلاهما ميزانٌ غيرُ
ميزان النَّظم. وهم في محيطهم العربيِّ أشهرُ من نارٍ على عَلَم.
وأمَّا احتجاجه بعدل الله في القسمة على أنَّ القدماء لم يُخصُّوا
بمزيّة، فإن أُريد به أنَّ القِدَم بذاته ليس مزيّةً فحقٌّ، لكنَّ العدل لا يقتضي
تساويَ الحظوظ، وقد رفع اللهُ بعضَهم فوق بعضٍ درجات. فيجوز أن يكون عصرٌ أكثرَ
إجادةً من عصرٍ بحكمة الله في توزيع المواهب وتهيئة الأسباب، من غير جورٍ في
القِسمة؛ فالتفاوتُ في العطاء من تمام حكمته، لا نقضٌ لعدله.
في التشكيك في الموروث
وتشكيكُ الدكتور في أصالة كثيرٍ من الموروث منهجٌ سليمٌ في أصله، وابنُ
سلَّامٍ خيرُ من يُستشهد به إذ هو أبو نقد الانتحال. وإيرادُه عبيدَ بن الأبرص في
طبقةٍ من الفحول مع قلَّة الموثوق من شعره ليس تناقضًا؛ فالفحولةُ تُبنى على
الإجادة والقِدَم وغلبةِ الأقران والمكانةِ المتواترة، لا على عدد الأبيات، وعبيدٌ
من أقدم الجاهليِّين، فقِدَمُه سببُ قلَّة الموثوق لا دليلُ ضعفه. وتنصيصُ ابن
سلَّامٍ على قلَّة ما يثبت له عينُ التحرُّز لا التساهل. على أنَّ شروط الفحولة
لوازمُ غالبةٌ لا شرائطُ قاطعة، وقد عُرف «المُقِلُّ المُجيد» يُعَدُّ في الفحول
بجودته وسَبْقه.
لكنَّ هذا التشكيك سكِّينٌ تُمسَك من نِصابها؛ فإذا أُفلِتَ صار سيفًا
يَجُبُّ التراثَ كلَّه، كما جرى عند مرجليوث ثم طه حسين في «الشعر الجاهليِّ»، حتى
تصدَّى لهما ناصرُ الدين الأسد في «مصادر الشعر الجاهليِّ» ومحمودُ شاكر فردُّوا
غلوَّهما. فالعدلُ قبولُ الثابت والتوقُّفُ في المظنون، لا إسقاطُ الجملة. على
أنَّ المنحولَ — إن صحَّ أنه منحول — لا يخرج عن كونه قديمًا قيل في عصور
الاحتجاج، فيبقى حجّةً في اللغة وإن لم تصحَّ نسبتُه إلى عبيدٍ بعينه.
الميزانُ الجامع
يجمع ما تقدَّم أصلٌ واحد: أنَّ الدكتور — في أكثر مواضع قوَّته — إنما
يُحاكم البلاغةَ والإعجازَ بموازينَ ليست موازينَهما. فمرَّةً يَزِنُهما بالمضمون،
ومرَّةً بالاختراع، ومرَّةً بالشهرة، ومرَّةً بكثرة المعاني. وكلُّها أوصافٌ قد
تجتمع للكلام أو تتخلَّف، والمزيّةُ لا تتبعها، بل تتبع النَّظمَ الذي عليه مدارُ
البلاغة، والعجزَ عن المعارضة الذي عليه مدارُ الإعجاز. ومتى رُدَّ كلُّ شيءٍ إلى
ميزانه، انفصل الحقُّ من غيره بلا عَنَت.
وثمَّة تمييزٌ لا بدَّ منه يرفع اللَّبس: مسألةُ تفاضُل الشعر —
جاهليِّه ومحدَثِه، ولفظِه ومعناه — مسألةٌ في ترتيب كلام البشر بعضِه على بعض،
أجنبيّةٌ عن الإعجاز. فلو سُلِّم للدكتور كلُّ ما قال في تفوُّق العباسيِّ، لبقي
التحدِّي قائمًا؛ إذ لم يُعارِض القرآنَ لا جاهليٌّ ولا محدَث، لا امرؤ القيس ولا
المتنبِّي. بل إنَّ إعلاءه للعباسيِّين يرفع السقفَ الذي تجاوزه القرآن لا يخفضه؛
إذ أعجز أقدرَ الناس اختراعًا وأبعدَهم صيتًا، وهم مع ذلك تشرَّبوا أساليبه ودرسوا
بلاغته.
خلاصةٌ منصِفة
تنتظم القراءةُ في ثلاثٍ:
أمَّا ما أصاب فيه وهو نافع: فإنكارُ حصر الإعجاز في وجهٍ واحد، ونقدُ
صورة الإعجاز البديعيِّ المبتذلة، ونفيُ الإجماع على تقديم الجاهليِّ، وتقريرُ
الحكم بالجودة لا بالعصر، وأنَّ القرآن غير الشعر والتحدِّي في جنسه، وأنَّ الشاهد
البلاغيَّ لا زمان له، والدعوةُ إلى التثبُّت في الموروث.
وأمَّا ما هو صوابٌ لكنه لا يمسُّ الأصل: فتفوُّقُ العباسيِّ في
الاختراع، وغزارةُ شواهد المولَّدين عند عبد القاهر، وشهرةُ المتنبِّي؛ فكلُّها في
ترتيب الشعر البشريِّ، لا في الإعجاز.
وأمَّا ما فيه غلطٌ أو نظر: فبناءُ المسألة على فصل البيان عن المضمون،
وقولُه «المعجِزُ مضمونه»، وحصرُ التحدِّي في أفرادٍ أو في قريشٍ أو إلى عام
الوفود، وجعلُ الاختراع وحده ميزانَ البلاغة، وتفضيلُ أبي تمَّام كأنَّه محسوم،
والقياسُ القائل «المعاني خيرٌ من الألفاظ فالمولَّدون خير»، والاحتجاجُ بالشهرة
وبعدل القِسمة على وجهٍ يتجاوز موضعه، وإطلاقُ نفي القول قبل شاكر، والتشكيكُ إذا
أُفلِت من نِصابه.
والحاصلُ أنَّ الدكتور أثار خيرًا كثيرًا، وأعاننا على تحرير الأصل:
أنَّ البلاغة في النَّظم، وأنَّ الإعجاز في عجز الخلق عن المعارضة، وأنَّ تذوُّق
البلاغة لا يُربَط بتقديس عصرٍ بعينه. وهذا غايةُ ما نبتغيه من قراءةٍ علميةٍ،
نُنزِل فيها كلَّ قولٍ منزلتَه، لا نَبخس صاحبَه حقَّه، ولا نُسلِّم له ما لا
يلزم.
توثيق ومصادر
آياتُ التحدِّي: الإسراء ٨٨، هود ١٣، يونس
٣٨، البقرة ٢٣، الطور ٣٤.
مصنَّفاتُ الإعجاز: «نظم القرآن» للجاحظ
(مفقود)، «النُّكت في إعجاز القرآن» للرمَّاني، «بيان إعجاز القرآن» للخطَّابي،
«إعجاز القرآن» للباقلَّاني، «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» لعبد القاهر
الجرجاني.
كتبُ النقد والتفاضل: «الموشَّح»
للمرزباني، «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، «الوساطة بين المتنبِّي وخصومه» للقاضي
الجرجاني، «الموازنة بين الطائيَّين» للآمدي، «عيار الشعر» لابن طباطبا، «البديع
في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ، «العمدة» لابن رشيق، «المثل السائر» لابن الأثير،
«طبقات فحول الشعراء» لابن سلَّام، و«مصادر الشعر الجاهليِّ وقيمتها التاريخية»
لناصر الدين الأسد.
مصدرُ المقابلة (ثلاثةُ مقاطع):
•
https://youtu.be/NLDOdjmBGyQ
•
https://youtu.be/gfKcpuACYvY
•
https://youtu.be/WshJsoQq4qA