الاثنين، 6 يوليو 2026

صلاة الجماعة لمريض لا يستطيع إطالة السجود

 مسألة فقهية: سجود المريض خلف الإمام



تحرير محل المسألة


يُبتلى بعض المرضى بحالةٍ وسطى بين العجز التام والقدرة الكاملة: فهو يستطيع السجود على هيئته الشرعية الصحيحة، ويطمئن فيه، لكن طاقته في البقاء ساجدًا محدودةٌ بمقدارٍ معلوم، بينما يُطيل الإمام السجود أكثر من ذلك المقدار. فيقع المريض بين أمرين: إما أن يرفع رأسه قبل إمامه ليحفظ طمأنينته، وإما أن يُبقي نفسه ساجدًا حتى رفع الإمام فيُخلّ بالاطمئنان المفروض عليه هو بحسب حاله.


والسؤال: أيّ صورةٍ من صور الأداء أولى بالعمل؟



الصور المحتملة



الصورة الأولى: الانفراد عن الجماعة


يترك الجماعة ويصلي وحده، متحررًا من قيد متابعة الإمام في التوقيت.


التقييم: هذه الصورة مرجوحة، لأن حقّ الجماعة لا يسقط إلا بعذرٍ يمنع أصل الحضور والمشاركة، وحال هذا المريض ليست كذلك؛ فهو قادرٌ على الحضور والاقتداء، وإنما تعترضه مسألة جزئية في توقيت ركنٍ واحد. فإسقاط الجماعة بكاملها لأجل هذه الجزئية إسقاطٌ لأصلٍ راجحٍ من أجل جزئيةٍ يمكن معالجتها ضمن الجماعة نفسها.



الصورة الثانية: الصلاة على كرسي خلف الإمام


يترك هيئة السجود على الأرض، ويُومئ بالسجود جالسًا على كرسي، متابعًا للإمام في التوقيت دون مشقة.


التقييم: هذه الصورة مرجوحة أيضًا، لأن الكرسي رخصةٌ شُرعت لمن عجز عن هيئة السجود الصحيحة أصلًا، لا لمن يقدر عليها ويحتاج فقط وقتًا أطول لتحصيل الطمأنينة فيها. فاستعماله هنا إسقاطٌ لركنٍ ميسورٍ (السجود الحقيقي) إلى بدلٍ (الإيماء) بلا موجبٍ شرعي، وهذا مخالفٌ لقاعدة "الميسور لا يسقط بالمعسور"، إلا أن تكون هناك علةٌ أخرى تخصّ القيام أو الانتقال ذاته، فيُستعمل الكرسي حينئذٍ لأجل تلك العلة بعينها لا لأجل مسألة التوقيت.



الصورة الثالثة: الصلاة خلف الإمام، مع السبق المعذور عند الرفع


يصلي خلف الإمام على هيئته الصحيحة، ويهوي إلى السجود معه أو قريبًا منه، فيسجد بقدر طاقته حتى يطمئن، ثم يرفع رأسه ولو سبق الإمام في ذلك.


التقييم: صورةٌ صحيحةٌ معذورة، لكنها ليست الأكمل، لما فيها من وقوع "السبق" فعلًا وإن كان معذورًا، وتفصيل حكمها في التحليل الآتي.



الصورة الرابعة: الصلاة خلف الإمام، مع التخلف اليسير في الهبوط


يصلي خلف الإمام، لكنه لا يهوي إلى السجود مع هَوِيِّه، بل يتمهل بعد هَوِيّ الإمام بمقدارٍ يُبقي من سجدة الإمام ما يكفي هذا المريض بالضبط لأدائها مطمئنًا، ثم يهوي هو فيسجد، فيلتقي رفعه برفع الإمام دون سبقٍ ألبتة.


التقييم: هذه الصورة هي الأكمل والأولى بالعمل، وتفصيلها في التحليل الآتي.



الصورة الخامسة: التأخر العمد لإدراك ركعةٍ واحدة، وإتمام الباقي منفردًا بمقياسه الصحي


يتعمد المريض التأخر عن أول الصلاة بسبب ظرفه الصحي، فلا يحضر إلا في وقتٍ يُدرك فيه مع الإمام ركعةً واحدة، فإذا سلّم الإمام قام هو فأتمّ صلاته منفردًا، بمقياس طاقته هو، دون قيد متابعة أحد.


التقييم: صورةٌ صحيحةٌ، ودليلها حديث: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة" متفقٌ عليه، وهذا نصٌّ صريحٌ في أن إدراك ركعةٍ واحدة كافٍ في تحصيل حكم صلاة الجماعة وفضلها، فلا يُشترط إدراك الصلاة كلها من أولها. وتفصيلها وعلاقتها بما سبق في التحليل الآتي.



أولًا: تحليل الصورتين الثالثة والرابعة والمفاضلة بينهما



١. لا تُسقط الطمأنينة لأجل المتابعة في كلتا الصورتين


الطمأنينة في السجود ركنٌ من أركان الصلاة ذاتها، بخلاف متابعة الإمام في التوقيت، فهي واجبٌ متعلقٌ بهيئة الجماعة لا بصحة صلاة المأموم في نفسها. فإذا تعارض ركنٌ محقَّق الوجوب مع واجبٍ تابع، قُدِّم الركن، ولم يجز إسقاطه إرضاءً لمتابعةٍ هي في الأصل تابعةٌ له. وهذا الأصل مشتركٌ بين الصورتين، وإنما يفترقان فيما بعده.



٢. الفرق بين "السبق" و"التخلف" في الاصطلاح


الصورة الثالثة يقع فيها المريض في "سَبقٍ" حقيقي، إذ يرفع رأسه قبل إمامه، والأصل في هذا المنع الشديد لِما ورد من الوعيد على من يرفع رأسه قبل إمامه متعجلًا أو غافلًا، وإن كان هذا المنع مختصًّا بالمتعجل لا بمن يُعذر لعجزٍ بدني، فلا تكليف بما لا يُطاق، والمشقة تجلب التيسير.


أما الصورة الرابعة فلا سبق فيها بالكلية، وإنما فيها "تخلّفٌ" يسيرٌ في الهبوط إلى السجود، والتخلف اليسير معفوٌّ عنه عند الفقهاء بيسرٍ أعظم من عفوهم عن السبق، لأنه لا يُخِلّ بهيبة المتابعة ولا يحمل صورة منازعة الإمام، بل هو تريّثٌ محضٌ ينتهي بلقاء الإمام في الرفع لا بمفارقته فيه.



٣. أدلة التسامح في التمهل اليسير


هذا التمهل ليس ترخّصًا مبتدَعًا لأجل هذه النازلة، بل هو أصلٌ ثابتٌ في هيئة الاقتداء نفسها، ومما يدل عليه:


حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في وصف صلاتهم خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنهم كانوا لا يحنون ظهورهم للسجود حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم يقعون بعده. فهذا أصلٌ في تأخر هُوِيّ المأموم عن هُوِيّ إمامه، وهو عين ما بُني عليه التخلف اليسير في الصورة الرابعة، لا فارق إلا في مقدار التأخر.


ما استقر عليه الفقهاء من كراهة "الموافقة" (وهي مقارنة المأموم لإمامه في الانتقال، بحيث يقع فعله مع فعل إمامه في وقتٍ واحد)، وأن المشروع هو أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل إمامه، فإذا كان هذا التأخر اليسير مطلوبًا في أصل الاقتداء عمومًا، فتوظيفه هنا لتحصيل مصلحة زائدة (وهي تمكين المريض من طمأنينته) من باب أولى.


فالصورة الرابعة إذن ليست إحداثًا لهيئةٍ غريبة، بل استثمارٌ لفسحةٍ موجودة أصلًا في هيئة المتابعة المعتبرة شرعًا، وُجِّهت هنا إلى مصلحة هذا المريض بعينها.



٤. حكم السبق ذاته وتفصيل حاله


الأصل أن تقديم القيام من الركن قبل الإمام (وهو ما يسميه الفقهاء "مسابقة الإمام") محرَّمٌ، والمشروع هو المتابعة لا المسابقة ولا حتى الموافقة، ومما يدل على شدة الأمر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوَّل رأسه رأس حمار، وهذا وعيدٌ شديدٌ لا يُستهان به.


غير أن الفقهاء فصّلوا في أثر هذا التحريم على صحة الصلاة بحسب حال فاعله:


من سبق إمامه متعمدًا عالمًا بالحكم: ذهب بعض العلماء إلى بطلان صلاته، لأن تعمد مخالفة هيئة الاقتداء مع العلم بحرمتها إخلالٌ بحقيقة الائتمام.


وذهب الجمهور إلى صحة صلاته مع الإثم، فلا تبطل بمجرد السبق العمد، لكنه آثمٌ بمخالفته النهي الوارد فيه.


ومن فعل ذلك جاهلًا بالحكم، أو ناسيًا، أو مخطئًا (كأن ظن إمامه قد رفع، أو غلبه بدنه، أو نحو ذلك) فلا تبطل صلاته اتفاقًا، ولا إثم عليه، لرفع المؤاخذة عن الخطأ والنسيان والجهل المعتبر.


وعلى هذا، فمن سبق إمامه لعذر العجز البدني الحقيقي، فهو أولى بعدم البطلان وعدم الإثم من الجاهل والناسي، لأن حاله حال اضطرارٍ متحقق، لا حال جهلٍ أو خطأ أو نسيان، والضرورة أظهر الأعذار وأقواها. ومع ذلك، فالأولى -كما تقدم- اعتماد الصورة الرابعة ابتداءً، لإخراج المسألة من دائرة السبق بالكلية، لا الاتكال على العذر فيه وإن كان صحيحًا.



٥. وجه ترجيح الصورة الرابعة


من جهة النص: الصورة الرابعة تُخرج المسألة من دائرة "من رفع رأسه قبل إمامه" بالكلية، فلا حاجة فيها إلى تكلّف الاستثناء من الوعيد، بخلاف الصورة الثالثة التي تبقى محتاجةً إلى هذا الاستثناء وإن ثبت.


من جهة الهيئة الظاهرة: الرفع مع الإمام في الصورة الرابعة أتمّ في تحقيق معنى المتابعة ظاهرًا وباطنًا، إذ لا يبدو للناظر أي افتراقٍ بين المأموم وإمامه في شيءٍ من أفعال الصلاة.


من جهة الركن: لا إخلال بالطمأنينة في الصورتين، إذ أقل الطمأنينة المجزئة عند الفقهاء ما يسع تسبيحةً واحدة، وهذا متحققٌ في الصورة الرابعة كما هو متحقق في الثالثة، غير أنه في الرابعة يقع في توقيتٍ يُحسن استثماره بحيث ينتهي مع نهاية سجود الإمام لا قبله.



٦. مناط الفرق بين الصورتين عمليًا


الفارق كله في موضع التمهل: ففي الثالثة يتمهل المأموم قليلًا ثم يسجد بقدر طاقته أيًّا كان ما تبقى من سجود الإمام بعد ذلك، فيرفع قبله إن طال سجود الإمام أكثر. وفي الرابعة يتمهل المأموم بمقدارٍ محسوبٍ يجعل ما تبقى من سجود الإمام مساويًا لطاقته هو بالضبط، فيهوي عند ذلك المقدار، فيلتقي الرفعان معًا. وهذا يحتاج من المأموم شيئًا من التقدير والمراس، لكنه ليس بالأمر العسير مع التكرار والاعتياد.



ثانيًا: تحليل الصورة الخامسة وعلاقتها بما سبق



١. وجه المصلحة فيها


هذه الصورة تحصر إشكال متابعة الإمام في سجود ركعةٍ واحدة فقط، إذ إن ما بعد سلام الإمام يصلّيه المريض منفردًا بمقياسه الخاص من غير أي التزامٍ بتوقيت أحد. وهذا يخفف عنه عبء تطبيق أسلوب "التخلف اليسير" على كل ركعاتٍ الصلاة، ويقصره على ركعةٍ واحدة، وهذا نافعٌ خصوصًا إذا كانت حالته الصحية تزداد إرهاقًا كلما تكرر منه ضبط هذا التقدير عبر ركعاتٍ متعددة.



٢. لا كراهة في هذا التأخر مع العذر


الأصل المقرر عند الفقهاء استحباب التبكير إلى الصلاة وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وكراهة التأخر عنها بلا عذر. لكن هذه الكراهة منوطةٌ بعدم العذر، وأما من تأخر لعذرٍ صحيٍّ حقيقي يمنعه من متابعة الإمام من أول الصلاة، فتأخره كتأخر أصحاب الأعذار المعروفين (كمن ينتظر زوال عذرٍ طارئ)، فلا كراهة فيه، لأن الكراهة تدور مع علتها وجودًا وعدمًا.



٣. هذه الصورة مكمِّلةٌ للصورة الرابعة لا بديلة عنها


ينبغي التنبه إلى أن الركعة التي يدركها المريض مع الإمام تبقى محتاجةً إلى ذات المعالجة المتقدمة في الصورة الرابعة (التخلف اليسير في الهبوط إلى السجود)، إذ إن إشكال تفاوت طاقته عن إطالة الإمام قائمٌ في تلك الركعة بعينها كما هو قائمٌ في غيرها. فحاصل الأمر أن الصورة الخامسة لا تُغني عن الصورة الرابعة، بل تُضيق دائرة تطبيقها، فيطبقها المريض مرةً واحدة بدل تكرارها على كل ركعة، وهذا وجه فضلها.



٤. متى تُقدَّم هذه الصورة


إن كانت طاقة المريض تتحمل ضبط التخلف اليسير على مدى ركعات الصلاة كاملة دون مشقةٍ متزايدة، فالأولى حضور الصلاة من أولها تحصيلًا لفضل تكبيرة الإحرام وكمال الجماعة، مع إعمال الصورة الرابعة في كل ركعة. أما إن كانت حالته تزداد إجهادًا مع تكرار هذا الضبط، أو كان أصل حضوره من أول الصلاة شاقًّا عليه بدنيًا، فالأولى هذه الصورة الخامسة، لأن فيها تحصيل الجماعة المجزئة شرعًا مع تخفيفٍ ظاهرٍ عن بدنه.



الفتوى


يصلي المريض المذكورة صفته خلف الإمام، ولا يترك الجماعة، ولا ينتقل إلى الكرسي لأجل هذه العلة بعينها.


فإن كانت طاقته تحتمل ضبط هذا التمهل عبر ركعات الصلاة كاملة، فالأولى حضوره من أولها، ويتمهل بعد هَوِيّ الإمام إلى السجود في كل ركعةٍ بمقدارٍ يُبقي من سجدة الإمام ما يكفيه هو لأدائها مطمئنًا، ثم يهوي فيسجد، فيرتفع مع الإمام معًا من غير سبق.


وإن كانت حالته تزداد إجهادًا مع تكرار هذا الضبط، أو كان حضوره من أول الصلاة شاقًّا عليه، فله أن يتعمد التأخر ليدرك مع الإمام ركعةً واحدة فحسب - وقد أدرك بذلك الصلاة وفضل الجماعة بنص الحديث - ثم يتمّم الباقي منفردًا بمقياس طاقته، مطبقًا أسلوب التمهل المذكور في تلك الركعة الواحدة التي أدركها.


وفي الحالين، إن لم يضبط التقدير المذكور في بعض الأحيان، فسجد بقدر طاقته ورفع قبل إمامه، فصلاته صحيحةٌ ولا حرج عليه، لأن سبقه حينئذٍ سبقُ ضرورةٍ لا سبقُ تهاون، والضرورات تُقدَّر بقدرها. والله أعلم.

الجمعة، 3 يوليو 2026

هواتف الجن وبشائر مبعث النبي ﷺ في الأقطار المجاورة

 هواتف الجن وبشائر مبعث النبي ﷺ في الأقطار المجاورة


من الظواهر التي اشتهرت في كتب السيرة النبوية وكتب دلائل النبوة ما عُرف بأخبار هواتف الجن؛ وهي الأخبار التي تروي أن أصواتًا كانت تُسمع عند مبعث النبي ﷺ في أنحاء متفرقة من جزيرة العرب، تبشر بظهور النبي الخاتم، وتعلن انقضاء عهد الوثنية، وتدعو إلى اتباع الرسول الجديد. وقد جاءت هذه الأخبار بصور متعددة؛ فمنها ما كان هاتفًا يسمع في الفلوات، ومنها ما كان يخرج من أجواف الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، حتى يفهم عابدوها أن زمنها قد انقضى، وأن الوحي قد نزل على النبي المبعوث في مكة.


وقد أفرد أصحاب السيرة والدلائل لهذه الأخبار أبوابًا خاصة، فمن ذلك: باب ما سمع من هواتف الجن في البداية والنهاية، وباب في بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام في سبل الهدى والرشاد، والفصل في ذكر ما سمع من الجن وأجواف الأصنام والكهان بالإخبار عن نبوته ﷺ في دلائل النبوة. وتجمع هذه الروايات على معنى واحد، وهو أن خبر البعثة لم يقتصر على أهل مكة، بل سبقته أو صاحبته إرهاصات تناقلتها العرب في أقاليم مختلفة، حتى بلغ صداها عُمان والطائف وديار سليم وغيرها.


ومن أشهر تلك الوقائع قصة مازن بن غضوبة الطائي، الذي تذكر المصادر أنه كان يعبد صنمًا يسمى بادر بعُمان. فلما ذبح عنده ذبيحة سمع هاتفًا يخرج من جهة الصنم يقول:


يا مازن أقبل إلي أقبل

تسمع ما لا يجهل

هذا نبي مرسل

جاء بحق منزل

فآمن به كي تعدل

عن حر نار تشعل

وقودها بالجندل


ثم سمع بعد ذلك هاتفًا آخر يقول:


يا مازن اسمع تسر

ظهر خير وبطن شر

بعث نبي من مضر

بدين الله الأكبر

فدع نحيتًا من حجر

تسلم من حر سقر


فلما قدم عليه رجل من الحجاز يخبره بخروج النبي ﷺ، أيقن أن المقصود هو محمد بن عبد الله ﷺ، فرحل إلى المدينة وأسلم بين يديه، واشتهر في الروايات بأنه أول من أسلم من أهل عُمان. وقد أورد هذه القصة عدد من أصحاب السيرة، منهم الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد، كما ذكرتها مصادر تاريخية عُمانية في ترجمة مازن بن غضوبة.


ومن الأخبار المشابهة ما روي عن خويلد الضمري، أنه كان مع قومه عند صنم، فسمعوا من جوفه صائحًا يقول:


ذهب استراق السمع للوحي، ورميت بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، ومهاجره إلى يثرب، يأمر بالصلاة والصيام والبر وصلة الأرحام.


فخرجوا من عند الصنم يتساءلون عن هذا الخبر، حتى بلغهم أن نبيًا قد بعث بمكة، فعرفوا المراد. وقد أورد هذه الرواية أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة ضمن الأخبار الواردة في هواتف الجن.


وروي أيضًا خبر العباس بن مرداس السلمي، وكان في قوم يعبدون صنمًا يسمى ضماد، فسمع من جوفه صوتًا يدعو إلى اتباع النبي ﷺ، ويعلن انقضاء عبادة الأوثان، ثم أعقب ذلك هاتف آخر من الجن يؤكد ظهور الرسول، فكان ذلك سببًا في كسر الصنم وإقباله على الإسلام. وقد أورد أصحاب دلائل النبوة هذه القصة في الباب نفسه الذي جمع أخبار الهواتف.


ومن الأخبار كذلك ما روي عن صنم حمام الذي كانت تعبده بنو عذرة، إذ سمع من جوفه عند مبعث النبي ﷺ:


ظهر الحق، وأودى الحمام، ودفع الشرك الإسلام.


ثم سمع هاتف آخر يقول:


بعث النبي الصادق، جاء بالحق الناطق، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة.


فكان ذلك من الأخبار التي تداولتها العرب في ذلك العصر، وعدها أصحاب السيرة من علامات انتقال الناس من عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده.


وتذكر بعض المصادر أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل إسلامه، كان عند صنم حين سمع هاتفًا يقول:


يا ذريح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله.


ثم لما ظهر الإسلام تذكر تلك الحادثة، وعلم أن المقصود بها النبي ﷺ.


وتتفق هذه الروايات جميعًا على تصوير مشهد واحد متكرر في أنحاء الجزيرة العربية: أصوات غيبية تعلن انتهاء سلطان الأصنام، وانقطاع ما كان للشياطين من استراق السمع، وبعث نبي في مكة يدعو إلى توحيد الله، حتى غدت هذه الهواتف من أشهر الأخبار التي تناقلتها كتب السيرة في باب إرهاصات البعثة وبشائرها.


وإلى جانب أخبار هواتف الجن، حفلت كتب السيرة بأخبار الكهان وما طرأ على حالهم عند مبعث النبي ﷺ. فقد كان الكهان – قبل البعثة – يعتمدون على ما يلقيه إليهم الشياطين مما تسترقه من السمع، فيخلطون الكلمة الصادقة بعشرات الأكاذيب، فتروج كهانتهم بين العرب. فلما اقترب زمن البعثة تغير هذا الواقع تغيرًا جذريًا؛ إذ حيل بين الشياطين وبين مقاعد السمع، وأرسلت عليهم الشهب، فانقطعت عن الكهان الأخبار التي كانوا يتلقونها، وأخذوا يشكون ذهاب ما كان يأتيهم من الغيب، حتى أصبح ذلك من أشهر العلامات التي تناقلتها العرب في ذلك العصر.


وقد سجل القرآن الكريم هذه الحادثة في قول الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: 9]، وفي قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ۝ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: 7-8]. ولهذا ربطت كتب السيرة بين انقطاع أخبار الكهان وبين ظهور هواتف الجن؛ فكلاهما كان يعكس تحولًا كونيًا صاحب مبعث النبي ﷺ، حيث انقطع ما كانت الشياطين تمد به الكهان، وفي الوقت نفسه أخذت الهواتف تبشر العرب بظهور النبي الخاتم، حتى غدت هذه الظواهر من أبرز الإرهاصات التي سبقت انتشار الدعوة في أنحاء الجزيرة العربية.


وقد أفرد أصحاب دلائل النبوة والسيرة لهذه الأخبار أبوابًا مستقلة، فجمعوا روايات انقطاع الكهان، ورمي الشياطين بالشهب، وهواتف الجن، باعتبارها حلقات متكاملة في تصوير ما صاحب مبعث النبي ﷺ من تغيرات شهدتها العرب، وأدرك منها كثير من الناس أن حدثًا عظيمًا قد وقع، وأن زمن الرسالة الخاتمة قد بدأ.


أهم المصادر:


* سبل الهدى والرشاد، باب: في بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام.

* دلائل النبوة، الفصل في ذكر ما سمع من الجن وأجواف الأصنام والكهان بالإخبار عن نبوته ﷺ.

* البداية والنهاية، باب: في هواتف الجان.

* الشفا بتعريف حقوق المصطفى، في ذكر إرهاصات النبوة وعلاماتها.

السبت، 20 يونيو 2026

قراءةٌ في أطروحة أد. مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث

البلاغةُ والعصرُ والإعجاز

قراءةٌ نقديةٌ في أطروحة الدكتور مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث

 

استمعتُ إلى مقابلةٍ للأستاذ الدكتور مختار غوث، جاءت على ضوء كتابه «قضايا النقد العربيِّ القديم»، فوجدتُها مقابلةً تستحقُّ العناية؛ لأنَّ صاحبها رجلُ علمٍ، يُقلِّب المسألةَ ويُثير من الأسئلة ما يستحقُّ الوقوف. وما يلي قراءةٌ علميةٌ مجرَّدة، والذي حملني على الكتابة قَدْرُ علمه وجِدّةُ ما طرح. وغرضي بذل الجهد لأُظهر جيّدَ ما قال، وأُميّز ما هو صوابٌ لكنه في غير موضعه، وأُبيّن مواضعَ الغلط في وضوحٍ يرفع اللَّبس، فإنَّ المسائل إذا اختلطت أوقعت في الوهم من حيث لا يُشعَر.

وأُجملُ خلاصةَ القراءة في صدرها ليبني عليها القارئ: أقوى ما عند الدكتور إنما يَهدِم تصوُّرين مهلهلين — تصوُّرَ الإعجاز البديعيِّ المبتذَل، وتصوُّرَ تقديس الشعر الجاهليِّ بوصفه ذروةَ البلاغة المطلقة — وكلاهما لا يُمثِّل أرسخَ ما قرَّره المحقِّقون. أمَّا الإعجازُ في أصله، ومدارُه على النَّظم والعجزِ عن المعارضة، فيبقى بعد كلامه قائمًا لم يُمَسّ، بل يزداد به وضوحًا. فالنزاع في حقيقته نزاعٌ على الميزان الذي تُوزَن به البلاغة، وعلى موضع الإعجاز، لا على وجوده.

الأطروحة في إجمالها

يدور كلام الدكتور على محورين متَّصلين. أمَّا الأول فنقدُ ما شاع من حصر إعجاز القرآن في «البيان»، ودعوتُه إلى أنَّ المتحدَّى به مضمونُه ومعانيه لا صياغتُه وحدها، وأنَّ الإعجاز وجوهٌ شتَّى لا وجهٌ واحد. وأمَّا الثاني فنقضُ دعوى الإجماع على تفضيل الشعر الجاهليِّ، وتقريرُ أنَّ معيار الجودة هو الإبداعُ والاختراع، وأنَّ شعراء العصر العباسيِّ أبلغُ من جهة المعاني المبتكَرة، وأنَّ النقَّاد المحقِّقين حكموا بالجودة لا بالزمن. ويصل بين المحورين خيطٌ واحد: أنَّ تقديس عصرٍ بعينه، أو حصرَ البلاغة في صورةٍ ضيّقة، تصوُّرٌ متأخِّرٌ لا يثبت أمام النظر.

وهذا في جملته مقصدٌ شريف؛ فإنَّ ربط تذوُّق البلاغة بتعظيم عصرٍ دون عصر خطأٌ نقديّ، وحصرَ الإعجاز في المحسِّنات البديعية اختزالٌ مُخِلّ. لكنَّ الدكتور — وهو يُحرِّر هذا — يبني على مقدِّماتٍ بعضُها يحتاج إلى تحرير، فيصل أحيانًا إلى ما لا يلزم من حقٍّ قرَّره. وبيانُ ذلك يقتضي أن نضع المفتاح أولًا.

المفتاح: نظريةُ النَّظم وما تحُلُّه من إشكالات

أكثرُ إشكالات المسألة ينحلُّ بأصلٍ واحدٍ قرَّره عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: أنَّ المزيّة ليست في اللفظ المفرد من حيث هو لفظ — وإلا لرجَع الأمرُ إلى الجَرْس والنغمة — ولا في المعنى المجرَّد من حيث هو فكرةٌ وغرض — إذ المعنى الواحد يشترك فيه البليغُ والعَيِيُّ — وإنما هي في النَّظم؛ أي في توخّي معاني النحو فيما بين الكلِم. يقول: «ليس النَّظمُ إلا أن تضعَ كلامَك الوضعَ الذي يقتضيه علمُ النحو، وتعملَ على قوانينه وأصوله». فالنَّظمُ موضعٌ يمتنع فيه فصلُ اللفظ عن المعنى.

وبهذا الأصل ينكشف أنَّ كثيرًا من التقابلات التي يُبنى عليها الجدل — «بيانٌ مقابل مضمون»، و«لفظٌ مقابل معنى»، و«قديمٌ مقابل محدَث» — تقابلاتٌ تجاوزها عبد القاهر؛ لأنَّها كلَّها تفترض أنَّ المزيّة في أحد الطرفين، والصوابُ أنَّها في تأليفهما. فمن أراد أن يَزِن البلاغةَ بالمضمون وحده، أو بالاختراع وحده، أو بعصرٍ بعينه، فقد وزنها بغير ميزانها. ومتى استقرَّ هذا الأصل، صار فرزُ كلام الدكتور إلى صوابٍ نافعٍ وصوابٍ غيرِ ماسٍّ وغلطٍ بيِّنٍ أمرًا ميسورًا.

أولًا: في الإعجاز والتحدِّي

الإعجازُ وجوهٌ، والنَّظمُ مركزُها

أصاب الدكتور في إنكاره حصرَ الإعجاز في وجهٍ واحد؛ فإنَّ التشريع والإخبار بالغيب والهدايةَ وبناءَ الرؤية من وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء. لكنَّ هذا لا يلزم منه إخراجُ البيان، ولا جعلُ «المضمون» وحده هو المُعجِز. بل إنَّ قولَه «المعجِزُ مضمونه لا بيانه» يضع الإعجازَ في أضعف موضع؛ لأنَّ المضمون المجرَّد قابلٌ للنقل والاشتراك، ولا تظهر المزيّةُ فيه بذاته، بل في كيفية نظمه.

ويقطع النزاعَ في هذا برهانُ الترجمة: لو كان الإعجازُ في المضمون لكانت الترجمةُ الأمينةُ — وهي تنقل المضمون — مُعجِزةً بقدرِ ما تنقل. ولمَّا أجمع المسلمون على أنَّ الترجمةَ ليست قرآنًا ولا مُعجِزةً، عُلِم أنَّ جانبًا أساسيًّا من الإعجاز قائمٌ في النَّظم العربيِّ نفسِه. على أنَّ من الوجوه ما يثبت مع الترجمة كالإخبار بالغيب والتشريع؛ فالحقُّ أنَّ الإعجاز وجوهٌ، منها ما يُترجَم ومنها ما لا يُترجَم، والنَّظمُ منها وجهٌ مركزيٌّ لا يُلغى.

مدارُ التحدِّي على العجز

ومن أنفع ما يُحرَّر في هذا الباب أنَّ مدار التحدِّي على العجز عن المعارضة، لا على اتِّفاق الناس في تفسير سرِّ الإعجاز. وبهذا يسقط اعتراضان: أنَّ البلاغة لا يعرفها إلا البلغاء، وأنَّ الإعجاز ينقضي بموت الفصحاء. فالأعرابيُّ لم يحتج إلى علم البلاغة ليُدرك عجزَه؛ سكَت ولم يُعارِض، وكان سكوتُه البرهان. بل إنَّ تخبُّط المعارضين بين «سِحرٍ» و«شِعرٍ» و«أساطيرَ» إقرارٌ منهم بالعجز؛ إذ لم يَقدروا أن يقولوا: هذا كلامٌ معتادٌ وهذا مثلُه. ويكفي في بقاء الإعجاز أن يثبت العجزُ ممَّن هو أقدرُ الناس، ويُقِرَّ به أهلُ النظر في كل عصر.

القرآنُ غيرُ الشعر، والتحدِّي في جنسه

وممَّا أصاب فيه الدكتور قولُه إنَّ جعل القرآن نازلًا لتحدِّي «الشعر» فيه نظر. فالقرآن نفى عن نفسه الشعرَ، والتحدِّي أن يُؤتى بسورةٍ من مثله في جنسه هو، لا أن يُغلَب الشعراءُ في صناعة الشعر. ومن صوَّر التحدِّيَ مباراةً شعريةً فقد أخطأ موضعه. وهذا يكشف ضعفَ مأخذٍ آخر يُثار: أنَّ قريشًا ليست قبيلةَ شعر؛ فإنَّ التحدِّيَ لم يكن للشعر أصلًا حتى يُشترط فيه ذلك.

عمومُ التحدِّي، ونقدُ حصره

غير أنَّ للدكتور في هذا الباب مآخذَ لا تَسلَم. فحصرُه التحدِّيَ في أفرادٍ معدودين، أو في قريشٍ دون سائر العرب، أو دعواه أنَّ العرب لم يعلموا بالقرآن إلا عام الوفود، كلُّها مردودةٌ بنصوص التحدِّي نفسها؛ فألفاظُها عامَّة، تمتدُّ من المكِّيِّ إلى المدنيِّ، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وخبرُ القرآن قد انتشر في الجزيرة قبل عام الوفود بزمنٍ طويل: شهِدت له الهجرةُ إلى الحبشة، وبيعتا العقبة، ووفودٌ تَرِد للتثبُّت من أمره ﷺ. وعامُ الوفود زمنُ الدخول الجماعيِّ في الدين، لا زمنُ أوَّل العلم به.

في نشأة النظرية، وفي الباقلانيِّ والشعر الجاهليِّ

ودعوى أنَّ القول بالإعجاز البيانيِّ لم يظهر إلا في القرن الثالث على يد المعتزلة تحتاج إلى تحرير. فالتقعيدُ المفصَّل ازدهر في القرنين الثالث والرابع — عند الجاحظ في «نظم القرآن»، والرمَّاني في «النُّكت»، والخطَّابيِّ في «بيان إعجاز القرآن»، والباقلَّانيِّ في «إعجاز القرآن» — حتى تمَّ عند عبد القاهر في القرن الخامس. والصَّرفةُ نظَّاميّةٌ معتزليّةٌ ردَّها الجمهور. لكنَّ إدراك تميُّز القرآن سابقٌ على التقعيد، والفرقُ ظاهرٌ بين أصل الفكرة واكتمال بنائها.

وأصاب الدكتور في تنبيهٍ دقيق: أنَّ تخصيص «الشعر الجاهليِّ» بوصفه الذروةَ المتحدَّى بها قولٌ متأخِّر، نبَّه إليه محمود شاكر ومحمد أبو موسى. والدليل أنَّ الباقلَّانيَّ لم يجعل الجاهليَّ هو المتحدَّى به، بل نقد معلَّقةَ امرئ القيس وقصيدةً للبحتري جميعًا، ليبيِّن أنَّ كلام البشر — قديمَه وحديثَه — لا يخلو من المآخذ، بخلاف القرآن. فمقارنتُه مع أجود كلام الناس في أيِّ عصر، لا مع الجاهليِّ خاصَّة. ويبقى أن يُقال: ربطُ الإعجاز بفصاحة العرب أصلٌ قديمٌ معروفٌ عند الخطَّابيِّ والباقلَّانيِّ وغيرهما؛ فالأدقُّ التفريق بين هذا الأصل القديم وبين تخصيص الجاهليِّ المتأخِّر، لا إطلاقُ نفي القول عمَّن سبق شاكر.

ثانيًا: في تفاضُل الشعر القديم والمحدَث

لا إجماعَ على تقديم الجاهليِّ

وهنا أصاب الدكتور إصابةً بيِّنة. فدعوى الإجماع على تفضيل الشعر الجاهليِّ لا تثبت؛ والنقدُ القديم مملوءٌ بمآخذ على فحول الجاهلية. وضع المرزبانيُّ «الموشَّح» لجمع مآخذ العلماء على الشعراء، بدءًا بالجاهليِّين، وقلَّ أن يذكر ابنُ قتيبة في «الشعر والشعراء» شاعرًا إلا ذكر عيبه، وكذلك القاضي الجرجانيُّ في «الوساطة»، وابنُ طباطبا في «عيار الشعر»، وأسامةُ بن منقذٍ في «البديع». ومن أصرح ما يُحتجُّ به أنَّ ابن قتيبة جعل المعيار الجودةَ لا الزمن، وقرَّر أنَّ القِدَم ليس مزيّةً والحداثةَ ليست منقصة. فمن ادَّعى الإجماعَ لم يُحرِّر المسألة.

التمييزُ الحاسم: الحكمُ بالجودة شيءٌ، وتفضيلُ الاختراع شيءٌ آخر

لكنَّ هنا مربط الفرس. فثمَّة فرقٌ بين أن تحكم بالجودة لا بالزمن — وهذا حقٌّ، وهو مذهب من سمَّاهم الدكتور: الجاحظ وابن قتيبة والصوليّ والمبرّد وابن الأثير — وبين أن تجعل الاختراعَ وحدَه هو الجودة، وهي دعوى أخرى لم يقل بها هؤلاء، وعليها بنى تفضيلَه العباسيَّ، وقولَه إنَّ التقليد لا قيمة له.

وعبد القاهر يهدم هذه الدعوى من جذورها؛ فالمزيّة في النَّظم لا في غرابة المعنى، والمعنى المتداوَل إذا أُحسِن نظمُه فاق المعنى المخترَع إذا ساء نظمُه. فالنسجُ على طريقة الأوائل ليس نقصًا في ذاته، بل قد يبلغ به صاحبُه ذروةَ البلاغة؛ ولهذا قدَّم كثيرٌ من كبار النقاد البحتريَّ على أبي تمَّام لرصانة سبكه وسلامة عموده، وعابوا على أبي تمَّام إغراقَه في التوليد حتى صار تكلُّفًا. فتفضيلُ أبي تمَّام لأجل التجديد رأيٌ في مسألةٍ لم تُحسَم، لا حكمٌ مقطوعٌ به. وحتى قولُه إنَّ الشاعر سُمِّي شاعرًا لأنه يَشعُر بما لا يَشعُر به الناس صحيحٌ في الاشتقاق، لكنَّ الشعور هنا دقَّةُ الإدراك لا اختراعُ المعاني وحده؛ فالذي يلتقط المشهدَ المألوف بحسٍّ نافذٍ ويصوغه صياغةً محكمةً شاعرٌ وإن لم يخترع.

الشاهدُ اللغويُّ غيرُ الشاهد البلاغيِّ

وممَّا أجاد فيه الدكتور تفريقُه بين الشاهد اللغويِّ والشاهد البلاغيِّ. فالشاهد اللغويُّ — الذي يُحتجُّ به على صحَّة اللفظ والتركيب — محصورٌ في عصور الاحتجاج، والمولَّدون مُخرَجون منه عند النحاة. أمَّا الشاهد البلاغيُّ — الذي يُساق لتشريح جودة النَّظم — فلا يلزمه هذا القيد، لأنَّ الجودة تتحقَّق في كل عصر. وبهذا يُفسَّر إكثارُ عبد القاهر من شواهد المحدَثين والأمويِّين في «الدلائل»، والمولَّدين في «الأسرار»: فالغلبةُ لهم ظاهرةٌ، وعلَّتُها أنَّ الشاهد البلاغيَّ لا يتقيَّد بزمن، وأنَّ المولَّدين وسَّعوا الاستعارةَ والبديعَ والتمثيل فكثُرت أمثلتُهم الصالحة للتحليل. وليس في هذا تفضيلٌ لعصرٍ على عصر، بل اقتضاءٌ للموضوع. والأصلُ أنَّ مذهب عبد القاهر نفسَه يُعلِّق المزيّةَ بالنَّظم لا بالعصر ولا بالقائل، فهو غيرُ قائلٍ بتفضيل الجاهليِّ لذاته حتى يُقال: لو اعتقده لاقتصر عليه.

الجاهليُّ لم يكن أسيرَ صحراء

وأمَّا تعليلُ غزارة المعاني في العباسيِّ بأنَّ العربيَّ كان أسيرَ صحراءَ بلا جمالٍ طبيعيٍّ ولا عمران، فمبالغةٌ فيها نظر. فامرؤ القيس ابنُ ملوكٍ رحل إلى قيصرَ ومات قريبًا من أنقرة، والأعشى جوَّابُ آفاقٍ امتلأ شعرُه بالصور الحضرية من أسفاره ومديحه للملوك، وعامَّةُ أصحاب المعلَّقات على صلةٍ ببلاط الحيرة — كطرفةَ وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزة وعبيد بن الأبرص — والنابغةُ تردَّد بين الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق، وعديُّ بن زيدٍ كان كاتبًا في بلاط الحيرة يعرف الفارسية وذكر الخورنق والسدير. فالعمرانُ والترفُ والجمالُ كان بين أيديهم، لا محجوبًا عنهم.

فإذا سقط هذا التعليل، فالعلَّةُ في كثرة المخترَع عند العباسيِّ طَورُ الصنعة ونضجُها وتراكمُ الفنِّ، لا سجنُ البيئة. ولاحظ أنَّ تعليلات الدكتور نفسَها — الاختلاطُ بالثقافات، ودرسُ بلاغة السابقين، وتشرُّبُ أساليب القرآن — كلُّها أسبابُ تراكمٍ وتطوُّرٍ عبر الزمن. بل تشرُّبُ أساليب القرآن حجَّةٌ لبلاغة القرآن وبيانه؛ إذ يجعله ينبوعًا ارتقى به البيانُ بعده.

قياسٌ منقوض: «المعاني خيرٌ من الألفاظ»

ويبلغ كلامُ الدكتور غايتَه في قياسٍ صريح: المعاني خيرٌ من الألفاظ، والمعاني أكثرُ في المولَّدين، فالمولَّدون خيرٌ من الجاهليِّين. وهذا القياس منقوضٌ في مقدِّمتيه. أمَّا الكبرى فإنَّ دعوى أنَّ المعاني خيرٌ من الألفاظ ليست مسلَّمة، بل هي طرفٌ من خصومةٍ قديمةٍ حسمها عبد القاهر بأنَّ المزيّة ليست في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، بل في النَّظم الجامع لهما؛ فالميزان غير ما بُني عليه. وأمَّا الصغرى ففيها اشتراكٌ في لفظ «المعاني»: إن أُريد الأفكارُ والحِكَمُ المبتكَرة فنعم هي أكثرُ في المولَّدين، لكنها ليست ما تحرص عليه البلاغةُ بمعنى النَّظم؛ وإن أُريد معاني النحو التي عليها مدارُ البلاغة فليست حكرًا على عصر.

ثم إنَّ استشهاده بكلمة العتَّابي — «الألفاظ لنا والمعاني لهم» — ينقلب عليه لا له. فالكلمةُ تجعل الألفاظ، وهي مجالُ البيان والصياغة، للعرب، وتنسب المعاني، وهي مادَّةُ الفكرة المنقولةُ عن العجم، إلى غيرهم. فإذا كانت البلاغةُ في حسن النَّظم وصياغة اللفظ، فقد أقرَّت الكلمةُ أنَّ هذا المجال عربيٌّ، ولم تجعل للعجم إلا مادَّةَ الفكرة لا فنَّ العبارة. على أنَّ المولَّدين — كأبي تمَّام والمتنبِّي — عربٌ يكتبون بالعربية؛ فلا يستقيم نقلُ قسمة العرب والعجم إلى قسمة الجاهليِّ والمولَّد.

الشهرةُ والقِسمة

ومن حُججه أنَّ «مالئ الدنيا وشاغل الناس» قيلت في المتنبِّي لا في امرئ القيس، فكيف يُقال الشاعر الجاهلي خيرٌ من الشاعر المولّد؟ والجوابُ أنَّ هذا يُثبت شهرةً وأثرًا لا رجحانَ بلاغة؛ والشهرةُ تتبع وسائلَ العصر من تدوينٍ وشروحٍ ومجالسَ وانتشار، والجاهليُّ عاش في بيئةٍ قبليةٍ أمِّيةٍ لم يكن فيها عالمٌ يملؤه. فقياسُ المنزلة بالصيت كقياسها بعدد المعاني المخترَعة، كلاهما ميزانٌ غيرُ ميزان النَّظم. وهم في محيطهم العربيِّ أشهرُ من نارٍ على عَلَم.

وأمَّا احتجاجه بعدل الله في القسمة على أنَّ القدماء لم يُخصُّوا بمزيّة، فإن أُريد به أنَّ القِدَم بذاته ليس مزيّةً فحقٌّ، لكنَّ العدل لا يقتضي تساويَ الحظوظ، وقد رفع اللهُ بعضَهم فوق بعضٍ درجات. فيجوز أن يكون عصرٌ أكثرَ إجادةً من عصرٍ بحكمة الله في توزيع المواهب وتهيئة الأسباب، من غير جورٍ في القِسمة؛ فالتفاوتُ في العطاء من تمام حكمته، لا نقضٌ لعدله.

في التشكيك في الموروث

وتشكيكُ الدكتور في أصالة كثيرٍ من الموروث منهجٌ سليمٌ في أصله، وابنُ سلَّامٍ خيرُ من يُستشهد به إذ هو أبو نقد الانتحال. وإيرادُه عبيدَ بن الأبرص في طبقةٍ من الفحول مع قلَّة الموثوق من شعره ليس تناقضًا؛ فالفحولةُ تُبنى على الإجادة والقِدَم وغلبةِ الأقران والمكانةِ المتواترة، لا على عدد الأبيات، وعبيدٌ من أقدم الجاهليِّين، فقِدَمُه سببُ قلَّة الموثوق لا دليلُ ضعفه. وتنصيصُ ابن سلَّامٍ على قلَّة ما يثبت له عينُ التحرُّز لا التساهل. على أنَّ شروط الفحولة لوازمُ غالبةٌ لا شرائطُ قاطعة، وقد عُرف «المُقِلُّ المُجيد» يُعَدُّ في الفحول بجودته وسَبْقه.

لكنَّ هذا التشكيك سكِّينٌ تُمسَك من نِصابها؛ فإذا أُفلِتَ صار سيفًا يَجُبُّ التراثَ كلَّه، كما جرى عند مرجليوث ثم طه حسين في «الشعر الجاهليِّ»، حتى تصدَّى لهما ناصرُ الدين الأسد في «مصادر الشعر الجاهليِّ» ومحمودُ شاكر فردُّوا غلوَّهما. فالعدلُ قبولُ الثابت والتوقُّفُ في المظنون، لا إسقاطُ الجملة. على أنَّ المنحولَ — إن صحَّ أنه منحول — لا يخرج عن كونه قديمًا قيل في عصور الاحتجاج، فيبقى حجّةً في اللغة وإن لم تصحَّ نسبتُه إلى عبيدٍ بعينه.

الميزانُ الجامع

يجمع ما تقدَّم أصلٌ واحد: أنَّ الدكتور — في أكثر مواضع قوَّته — إنما يُحاكم البلاغةَ والإعجازَ بموازينَ ليست موازينَهما. فمرَّةً يَزِنُهما بالمضمون، ومرَّةً بالاختراع، ومرَّةً بالشهرة، ومرَّةً بكثرة المعاني. وكلُّها أوصافٌ قد تجتمع للكلام أو تتخلَّف، والمزيّةُ لا تتبعها، بل تتبع النَّظمَ الذي عليه مدارُ البلاغة، والعجزَ عن المعارضة الذي عليه مدارُ الإعجاز. ومتى رُدَّ كلُّ شيءٍ إلى ميزانه، انفصل الحقُّ من غيره بلا عَنَت.

وثمَّة تمييزٌ لا بدَّ منه يرفع اللَّبس: مسألةُ تفاضُل الشعر — جاهليِّه ومحدَثِه، ولفظِه ومعناه — مسألةٌ في ترتيب كلام البشر بعضِه على بعض، أجنبيّةٌ عن الإعجاز. فلو سُلِّم للدكتور كلُّ ما قال في تفوُّق العباسيِّ، لبقي التحدِّي قائمًا؛ إذ لم يُعارِض القرآنَ لا جاهليٌّ ولا محدَث، لا امرؤ القيس ولا المتنبِّي. بل إنَّ إعلاءه للعباسيِّين يرفع السقفَ الذي تجاوزه القرآن لا يخفضه؛ إذ أعجز أقدرَ الناس اختراعًا وأبعدَهم صيتًا، وهم مع ذلك تشرَّبوا أساليبه ودرسوا بلاغته.

خلاصةٌ منصِفة

تنتظم القراءةُ في ثلاثٍ:

أمَّا ما أصاب فيه وهو نافع: فإنكارُ حصر الإعجاز في وجهٍ واحد، ونقدُ صورة الإعجاز البديعيِّ المبتذلة، ونفيُ الإجماع على تقديم الجاهليِّ، وتقريرُ الحكم بالجودة لا بالعصر، وأنَّ القرآن غير الشعر والتحدِّي في جنسه، وأنَّ الشاهد البلاغيَّ لا زمان له، والدعوةُ إلى التثبُّت في الموروث.

وأمَّا ما هو صوابٌ لكنه لا يمسُّ الأصل: فتفوُّقُ العباسيِّ في الاختراع، وغزارةُ شواهد المولَّدين عند عبد القاهر، وشهرةُ المتنبِّي؛ فكلُّها في ترتيب الشعر البشريِّ، لا في الإعجاز.

وأمَّا ما فيه غلطٌ أو نظر: فبناءُ المسألة على فصل البيان عن المضمون، وقولُه «المعجِزُ مضمونه»، وحصرُ التحدِّي في أفرادٍ أو في قريشٍ أو إلى عام الوفود، وجعلُ الاختراع وحده ميزانَ البلاغة، وتفضيلُ أبي تمَّام كأنَّه محسوم، والقياسُ القائل «المعاني خيرٌ من الألفاظ فالمولَّدون خير»، والاحتجاجُ بالشهرة وبعدل القِسمة على وجهٍ يتجاوز موضعه، وإطلاقُ نفي القول قبل شاكر، والتشكيكُ إذا أُفلِت من نِصابه.

والحاصلُ أنَّ الدكتور أثار خيرًا كثيرًا، وأعاننا على تحرير الأصل: أنَّ البلاغة في النَّظم، وأنَّ الإعجاز في عجز الخلق عن المعارضة، وأنَّ تذوُّق البلاغة لا يُربَط بتقديس عصرٍ بعينه. وهذا غايةُ ما نبتغيه من قراءةٍ علميةٍ، نُنزِل فيها كلَّ قولٍ منزلتَه، لا نَبخس صاحبَه حقَّه، ولا نُسلِّم له ما لا يلزم.

 

توثيق ومصادر

آياتُ التحدِّي: الإسراء ٨٨، هود ١٣، يونس ٣٨، البقرة ٢٣، الطور ٣٤.

مصنَّفاتُ الإعجاز: «نظم القرآن» للجاحظ (مفقود)، «النُّكت في إعجاز القرآن» للرمَّاني، «بيان إعجاز القرآن» للخطَّابي، «إعجاز القرآن» للباقلَّاني، «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني.

كتبُ النقد والتفاضل: «الموشَّح» للمرزباني، «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، «الوساطة بين المتنبِّي وخصومه» للقاضي الجرجاني، «الموازنة بين الطائيَّين» للآمدي، «عيار الشعر» لابن طباطبا، «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ، «العمدة» لابن رشيق، «المثل السائر» لابن الأثير، «طبقات فحول الشعراء» لابن سلَّام، و«مصادر الشعر الجاهليِّ وقيمتها التاريخية» لناصر الدين الأسد.

مصدرُ المقابلة (ثلاثةُ مقاطع):

         https://youtu.be/NLDOdjmBGyQ

         https://youtu.be/gfKcpuACYvY

         https://youtu.be/WshJsoQq4qA


صلاة الجماعة لمريض لا يستطيع إطالة السجود

  مسألة فقهية: سجود المريض خلف الإمام تحرير محل المسألة يُبتلى بعض المرضى بحالةٍ وسطى بين العجز التام والقدرة الكاملة: فهو يستطيع السجود على...