مبحث في تحقيق القول الراجح في هيئة اليدين حال القيام في الصلاة
نقد أسانيد القبض وبيان وجاهة القول بالسدل
تمهيد
اشتهر بين عامة المصلين أن وضع اليمنى على اليسرى حال القيام في الصلاة أمر مجمَع عليه لا خلاف فيه، وأن الخلاف إنما يقع في محل الوضع فحسب: أعلى الصدر أم أسفله أم تحت السرة. ويظهر بالنظر في الأسانيد أن هذا التصور فيه تسرّع، وأن المسألة أوسع من ذلك بمرتبتين:
ففي محل الوضع اضطراب شديد لا يكاد يُسلَّم منه بشيء، وفي أصل القبض نفسه قول معتبر قديم يخالف، هو السدل، له من الشواهد العملية المتصلة ما لا يقل قوة عن النصوص المرفوعة التي احتُج بها للقبض، بل يزيد عليها في هذه الجزئية بالذات.
وهذا المبحث يتناول الأمرين معا: نقد أدلة تحديد محل القبض أولا، ثم النظر في وجاهة السدل ثانيا.
المطلب الأول: اضطراب الروايات في تحديد محل اليدين
أولا، حديث علي رضي الله عنه في تحت السرة
روى أبو داود والدارقطني والبيهقي عن علي رضي الله عنه قوله: "من السنة وضع الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة"، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، عن علي. وهذا إسناد لا يثبت به شيء، فعبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل كما نص عليه النووي، وقد نقل أبو داود بنفسه عن الإمام أحمد بن حنبل تضعيفه، فصار المستدَل به عند من يُعنى بتوثيق النقل عن أحمد مضعَّفا بلسان أحمد نفسه لا مصححا. زد على ذلك أن الراوي اضطرب في سنده، فمرة يرويه عن زياد بن زيد عن أبي جحيفة عن علي، ومرة يرويه عن النعمان بن سعد عن علي مباشرة، وهذا الاضطراب في السند مؤذن بعدم ضبط الراوي لأصل الحديث فضلا عن دلالته.
ثانيا، حديث وائل بن حجر في على صدره
روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". وقد يُظن للوهلة الأولى أن هذا الحديث ثابت لتخريج ابن خزيمة له في صحيحه وتصحيح من تبعه من المتأخرين، لكن التحقيق فيه أدق من ذلك. فمؤمل بن إسماعيل تفرد بلفظة "على صدره" في آخر الحديث دون سائر من روى الحديث عن سفيان الثوري، وقد نص البيهقي على هذا التفرد بعينه فقال: "رواه الجماعة عن الثوري، لم يذكر واحد منهم: على صدره، غير مؤمل بن إسماعيل". وتفرّد راوٍ واحد بزيادة في متن حديث رواه عن الثوري جمع من الحفاظ دون أن يذكرها أحد منهم موجب لإعلال هذه الزيادة بعينها، وإن صح أصل الحديث في إثبات القبض دون تعيين محله. فالحديث حجة في أصل الوضع، وليس حجة في تعيين المحل على الصدر، وهذا فارق دقيق كثيرا ما يُغفَل عنه في نقل هذا الحديث.
ثالثا، مرسل طاووس بن كيسان
روى أبو داود في المراسيل عن طاووس، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة". وإسناده إلى طاووس صحيح، إلا أن الحديث مرسَل، والمرسَل لا يُحتج به استقلالا عند جمهور المحدثين، إذ سقطت منه الواسطة بين طاووس وهو تابعي وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمال أن يكون قد أخذه عن ضعيف أو عمن لم يشهد الأمر قائم لا يُدفع بمجرد ثقة طاووس نفسه.
رابعا، خلاصة الاضطراب
ينتج من هذا العرض أن كل ما وُظِّف من نصوص لتعيين محل اليدين، سواء في القول بتحت السرة أو فوقها أو على الصدر، مدارها على ضعيف الإسناد، أو تفرد شاذ في متن حديث أصله صحيح، أو مرسل لا تقوم به حجة مستقلة. وهذا هو الذي حمل الترمذي على أن يصف المسألة بالسعة عند أهل العلم من الصحابة والتابعين، وحمل غير واحد من المحققين المتأخرين على التصريح بأنه لم يصح حديث في تحديد موضع الوضع على الصدر أو تحت السرة أو فوقها. فالقول بترجيح أحد هذه المواضع على غيره اعتمادا على هذه الأخبار قول لا يقوم على أساس حديثي متين، وإنما هو ترجيح ظني تعارضه ظنون مثله.
المطلب الثاني: النظر في أصل حديث القبض من حيث الدلالة
يبقى بعد هذا أصل القبض ذاته، وهو ثابت بسند صحيح من حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". غير أن دلالة هذا الحديث على كونه أمرا نبويا صريحا محل نظر عند من تأمل صيغته، فهو مرفوع بصيغة البناء للمجهول "كان الناس يؤمرون"، ولم يصرّح سهل بأن الآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ صريح، حتى إن أبا حازم راوي الحديث عن سهل نفسه قال: "لا أعلمه إلا يُنمى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم"، وهذه الصيغة تشعر بتردد الراوي في جزم الرفع، وإن كان أصل الحديث محكوما له بالرفع عند جمهور المحدثين لأن مثل هذه الصيغة من الصحابي لها حكم المرفوع في الغالب. ومع ذلك فالتردد الذي أبداه أبو حازم نفسه، وهو أدرى الناس بشيخه، يفتح بابا مشروعا للنظر في أن الأمر قد يكون صادرا عن هيئة عامة تعارف عليها الناس في زمن الصحابة دون تنصيص مباشر متكرر من النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب استمرارها في كل حال.
المطلب الثالث: وجاهة القول بالسدل
أولا، الأصل العملي المتصل عند أهل المدينة، وترك مالك لما رواه
نُقل السدل رواية معتمدة مشهورة عن الإمام مالك من طريق ابن القاسم، وهو من أثبت أصحاب مالك وأشدهم ضبطا لروايته في المدونة، حتى قال أهل المذهب: "وعليها أكثر أصحاب مالك، وهي الأشهر عندهم". والمهم في هذا أن مالكا نفسه راوية لحديث القبض، فقد روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق ما يدل على مشروعية القبض، ومع ذلك ترك العمل به هو وأصحابه من بعده، وهذا نظير ما عُرف عنه من ترك العمل ببعض ما روى إذا عارضه عنده ما هو أقوى منه، وقد فسّر أهل المذهب تركه هذا بأنه أدرك من عمل أهل المدينة المتصل جيلا بعد جيل ما رجّح عنده السدل، لا عن جهل بالرواية. فترك مالك للحديث الذي رواه بنفسه وعمله بخلافه هو دليل مستقل قائم بذاته، لا مجرد تابع لعمل أهل المدينة، لأنه يمثل شهادة فقيه عارف بالحديث آثر عليه ما شهده معاينة.
وينبغي أن يُفرَد هنا التنبيه على أن المدينة لا تُقاس بغيرها من الأمصار في هذا الباب، فهي بلد النبوة والوحي، والفاصل الزمني بين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبين طبقة مالك لا يتجاوز طبقتين أو ثلاثا من التابعين. فما يقال في عمل أهل مصر أو الشام أو الكوفة من احتمال دخول اجتهاد محلي متأخر عليه لا يُقال بالقوة نفسها في عمل أهل المدينة، إذ عمل أهل بلد النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة ظاهرة متكررة كالصلاة أقوى دلالة أن يكون امتدادا مباشرا لما شهدوه بأعينهم من غيره.
ثانيا، الأصل العملي المتصل عند الإباضية
يتميز المذهب الإباضي بأن سلسلة حملة العلم فيه موثقة بأسماء محددة منذ عصر جابر بن زيد، التابعي الكبير تلميذ الصحابة وابن عمان نفسها، ثم تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم من بعدهما من حملة العلم على التوالي. وهذا التوثيق لسلسلة الحملة لم ينشأ متأخرا ليُسقَط على الماضي كما يقع في دعاوى الاتصال المذهبية العامة، بل كان جزءا من بنية الجماعة ذاتها، خصوصا في أطوار الكتمان حين توقف بقاء المذهب على ضبط من يحمل العلم ومن يُؤتمَن عليه. ويزيد هذا قوة أن هذه الهيئة مدوَّنة في كتب المذهب منذ عصر حملة العلم كالربيع بن حبيب أنفسهم، فليست معرفتنا بها اليوم متوقفة على مجرد المشافهة أو الاستنباط من الممارسة المعاصرة، بل هي مسطورة في المصنفات الفقهية التي تعود إلى الطبقات الأولى الناقلة عن جابر بن زيد ومن بعده، وهذا يجمع بين قوة التوثيق الكتابي وقوة التلقي العملي معا. وهيئة السدل عندهم أمر عملي ظاهر تكرر أمام آلاف الألوف من المصلين جيلا بعد جيل، ومن طبيعة الأمور العملية الظاهرة المتكررة أنها أعصى على التبدل الخفي غير الملحوظ من مسألة نظرية دقيقة قد يقع فيها انزياح تدريجي لا يُحس به أهله.
ثالثا، موافقة الزيدية والجعفرية
يُضاف إلى هذين الأصلين أن السدل هو المشهور أيضا عند الزيدية والإمامية الجعفرية، وهما طائفتان نشأتا مبكرا ولهما أسانيدهما الخاصة المستقلة عن الإسناد السني وعن الإسناد الإباضي معا.
رابعا، اجتماع خمسة أصول مستقلة الإسناد
يتحصل من هذا اجتماع خمسة أصول مستقلة الإسناد على القول بالسدل:
1/عمل أهل المدينة المتوارث جيلا بعد جيل،
2/وترك مالك بن أنس لما رواه من حديث القبض وعمله هو وأصحابه بالسدل مع علمه بالحديث المخالف،
3/والإباضية بسلسلة حملة علمهم الموثقة والمدونة منذ عصر جابر بن زيد،
4/والزيدية،
5/والجعفرية.
وهذه الأصول الخمسة تختلف مشاربها العقدية والفقهية اختلافا بيّنا يمنع تواطؤها فيما بينها، فتوافقها على هيئة واحدة رغم هذا التباين مؤشر يستحق الاعتبار عند من يزن الأدلة بميزان الاستقراء التاريخي لا بميزان الانتماء المذهبي وحده.
خامسا، القاعدة المنهجية: تقديم العمل المتصل على النص المضطرب
القاعدة التي يقوم عليها هذا الترجيح ليست بدعة منهجية، بل هي عين ما بنى عليه مالك حجية عمل أهل المدينة عنده، وهي أن التلقي العملي المستمر في بيئة قريبة زمنيا من مصدر التشريع، حين يتعارض مع نص منقول عبر سلسلة رواة يعتريها الضعف والاضطراب كما تبين في المطلب الأول، يكون أولى بالاعتماد، لأن احتمال الخطأ في نقل خبر عبر عدة وسائط أكبر من احتمال الخطأ في عمل ظاهر متكرر يشهده الجميع ويتوارثونه بالمعاينة لا بالسماع المجرد.
خاتمة الترجيح
يتحصل من هذا المبحث أن القول بالقبض في تحديد محله، سواء على الصدر أو تحت السرة أو فوقها، لا يقوم على نص مرفوع صحيح سليم من العلة، وأن أصل حديث القبض نفسه، وإن صح سندا، ففي صيغته ما يفتح بابا للنظر في كونه وصفا لهيئة متعارَفة لا أمرا تعبديا قاطعا ملزما بذاته. وفي المقابل، فإن القول بالسدل يستند إلى خمسة أصول مستقلة متلاقية: تلقٍّ عملي مدني موثق بترك مالك لروايته الخاصة، وتلقٍّ عملي إباضي موثق بسلسلة حملة العلم وبمدوَّنات المذهب منذ عصرهم، وموافقة الزيدية والجعفرية. فالسدل، بهذا الاعتبار، ليس قولا مرجوحا شذّ به بعض المتأخرين، بل هو الهيئة التي رجّحها الاستقراء التاريخي المستقل عن النص المضطرب، والله أعلم بالصواب.
ع ح