السبت، 20 يونيو 2026

قراءةٌ في أطروحة أد. مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث

البلاغةُ والعصرُ والإعجاز

قراءةٌ نقديةٌ في أطروحة الدكتور مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث

 

استمعتُ إلى مقابلةٍ للأستاذ الدكتور مختار غوث، جاءت على ضوء كتابه «قضايا النقد العربيِّ القديم»، فوجدتُها مقابلةً تستحقُّ العناية؛ لأنَّ صاحبها رجلُ علمٍ، يُقلِّب المسألةَ ويُثير من الأسئلة ما يستحقُّ الوقوف. وما يلي قراءةٌ علميةٌ مجرَّدة، والذي حملني على الكتابة قَدْرُ علمه وجِدّةُ ما طرح. وغرضي بذل الجهد لأُظهر جيّدَ ما قال، وأُميّز ما هو صوابٌ لكنه في غير موضعه، وأُبيّن مواضعَ الغلط في وضوحٍ يرفع اللَّبس، فإنَّ المسائل إذا اختلطت أوقعت في الوهم من حيث لا يُشعَر.

وأُجملُ خلاصةَ القراءة في صدرها ليبني عليها القارئ: أقوى ما عند الدكتور إنما يَهدِم تصوُّرين مهلهلين — تصوُّرَ الإعجاز البديعيِّ المبتذَل، وتصوُّرَ تقديس الشعر الجاهليِّ بوصفه ذروةَ البلاغة المطلقة — وكلاهما لا يُمثِّل أرسخَ ما قرَّره المحقِّقون. أمَّا الإعجازُ في أصله، ومدارُه على النَّظم والعجزِ عن المعارضة، فيبقى بعد كلامه قائمًا لم يُمَسّ، بل يزداد به وضوحًا. فالنزاع في حقيقته نزاعٌ على الميزان الذي تُوزَن به البلاغة، وعلى موضع الإعجاز، لا على وجوده.

الأطروحة في إجمالها

يدور كلام الدكتور على محورين متَّصلين. أمَّا الأول فنقدُ ما شاع من حصر إعجاز القرآن في «البيان»، ودعوتُه إلى أنَّ المتحدَّى به مضمونُه ومعانيه لا صياغتُه وحدها، وأنَّ الإعجاز وجوهٌ شتَّى لا وجهٌ واحد. وأمَّا الثاني فنقضُ دعوى الإجماع على تفضيل الشعر الجاهليِّ، وتقريرُ أنَّ معيار الجودة هو الإبداعُ والاختراع، وأنَّ شعراء العصر العباسيِّ أبلغُ من جهة المعاني المبتكَرة، وأنَّ النقَّاد المحقِّقين حكموا بالجودة لا بالزمن. ويصل بين المحورين خيطٌ واحد: أنَّ تقديس عصرٍ بعينه، أو حصرَ البلاغة في صورةٍ ضيّقة، تصوُّرٌ متأخِّرٌ لا يثبت أمام النظر.

وهذا في جملته مقصدٌ شريف؛ فإنَّ ربط تذوُّق البلاغة بتعظيم عصرٍ دون عصر خطأٌ نقديّ، وحصرَ الإعجاز في المحسِّنات البديعية اختزالٌ مُخِلّ. لكنَّ الدكتور — وهو يُحرِّر هذا — يبني على مقدِّماتٍ بعضُها يحتاج إلى تحرير، فيصل أحيانًا إلى ما لا يلزم من حقٍّ قرَّره. وبيانُ ذلك يقتضي أن نضع المفتاح أولًا.

المفتاح: نظريةُ النَّظم وما تحُلُّه من إشكالات

أكثرُ إشكالات المسألة ينحلُّ بأصلٍ واحدٍ قرَّره عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: أنَّ المزيّة ليست في اللفظ المفرد من حيث هو لفظ — وإلا لرجَع الأمرُ إلى الجَرْس والنغمة — ولا في المعنى المجرَّد من حيث هو فكرةٌ وغرض — إذ المعنى الواحد يشترك فيه البليغُ والعَيِيُّ — وإنما هي في النَّظم؛ أي في توخّي معاني النحو فيما بين الكلِم. يقول: «ليس النَّظمُ إلا أن تضعَ كلامَك الوضعَ الذي يقتضيه علمُ النحو، وتعملَ على قوانينه وأصوله». فالنَّظمُ موضعٌ يمتنع فيه فصلُ اللفظ عن المعنى.

وبهذا الأصل ينكشف أنَّ كثيرًا من التقابلات التي يُبنى عليها الجدل — «بيانٌ مقابل مضمون»، و«لفظٌ مقابل معنى»، و«قديمٌ مقابل محدَث» — تقابلاتٌ تجاوزها عبد القاهر؛ لأنَّها كلَّها تفترض أنَّ المزيّة في أحد الطرفين، والصوابُ أنَّها في تأليفهما. فمن أراد أن يَزِن البلاغةَ بالمضمون وحده، أو بالاختراع وحده، أو بعصرٍ بعينه، فقد وزنها بغير ميزانها. ومتى استقرَّ هذا الأصل، صار فرزُ كلام الدكتور إلى صوابٍ نافعٍ وصوابٍ غيرِ ماسٍّ وغلطٍ بيِّنٍ أمرًا ميسورًا.

أولًا: في الإعجاز والتحدِّي

الإعجازُ وجوهٌ، والنَّظمُ مركزُها

أصاب الدكتور في إنكاره حصرَ الإعجاز في وجهٍ واحد؛ فإنَّ التشريع والإخبار بالغيب والهدايةَ وبناءَ الرؤية من وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء. لكنَّ هذا لا يلزم منه إخراجُ البيان، ولا جعلُ «المضمون» وحده هو المُعجِز. بل إنَّ قولَه «المعجِزُ مضمونه لا بيانه» يضع الإعجازَ في أضعف موضع؛ لأنَّ المضمون المجرَّد قابلٌ للنقل والاشتراك، ولا تظهر المزيّةُ فيه بذاته، بل في كيفية نظمه.

ويقطع النزاعَ في هذا برهانُ الترجمة: لو كان الإعجازُ في المضمون لكانت الترجمةُ الأمينةُ — وهي تنقل المضمون — مُعجِزةً بقدرِ ما تنقل. ولمَّا أجمع المسلمون على أنَّ الترجمةَ ليست قرآنًا ولا مُعجِزةً، عُلِم أنَّ جانبًا أساسيًّا من الإعجاز قائمٌ في النَّظم العربيِّ نفسِه. على أنَّ من الوجوه ما يثبت مع الترجمة كالإخبار بالغيب والتشريع؛ فالحقُّ أنَّ الإعجاز وجوهٌ، منها ما يُترجَم ومنها ما لا يُترجَم، والنَّظمُ منها وجهٌ مركزيٌّ لا يُلغى.

مدارُ التحدِّي على العجز

ومن أنفع ما يُحرَّر في هذا الباب أنَّ مدار التحدِّي على العجز عن المعارضة، لا على اتِّفاق الناس في تفسير سرِّ الإعجاز. وبهذا يسقط اعتراضان: أنَّ البلاغة لا يعرفها إلا البلغاء، وأنَّ الإعجاز ينقضي بموت الفصحاء. فالأعرابيُّ لم يحتج إلى علم البلاغة ليُدرك عجزَه؛ سكَت ولم يُعارِض، وكان سكوتُه البرهان. بل إنَّ تخبُّط المعارضين بين «سِحرٍ» و«شِعرٍ» و«أساطيرَ» إقرارٌ منهم بالعجز؛ إذ لم يَقدروا أن يقولوا: هذا كلامٌ معتادٌ وهذا مثلُه. ويكفي في بقاء الإعجاز أن يثبت العجزُ ممَّن هو أقدرُ الناس، ويُقِرَّ به أهلُ النظر في كل عصر.

القرآنُ غيرُ الشعر، والتحدِّي في جنسه

وممَّا أصاب فيه الدكتور قولُه إنَّ جعل القرآن نازلًا لتحدِّي «الشعر» فيه نظر. فالقرآن نفى عن نفسه الشعرَ، والتحدِّي أن يُؤتى بسورةٍ من مثله في جنسه هو، لا أن يُغلَب الشعراءُ في صناعة الشعر. ومن صوَّر التحدِّيَ مباراةً شعريةً فقد أخطأ موضعه. وهذا يكشف ضعفَ مأخذٍ آخر يُثار: أنَّ قريشًا ليست قبيلةَ شعر؛ فإنَّ التحدِّيَ لم يكن للشعر أصلًا حتى يُشترط فيه ذلك.

عمومُ التحدِّي، ونقدُ حصره

غير أنَّ للدكتور في هذا الباب مآخذَ لا تَسلَم. فحصرُه التحدِّيَ في أفرادٍ معدودين، أو في قريشٍ دون سائر العرب، أو دعواه أنَّ العرب لم يعلموا بالقرآن إلا عام الوفود، كلُّها مردودةٌ بنصوص التحدِّي نفسها؛ فألفاظُها عامَّة، تمتدُّ من المكِّيِّ إلى المدنيِّ، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وخبرُ القرآن قد انتشر في الجزيرة قبل عام الوفود بزمنٍ طويل: شهِدت له الهجرةُ إلى الحبشة، وبيعتا العقبة، ووفودٌ تَرِد للتثبُّت من أمره ﷺ. وعامُ الوفود زمنُ الدخول الجماعيِّ في الدين، لا زمنُ أوَّل العلم به.

في نشأة النظرية، وفي الباقلانيِّ والشعر الجاهليِّ

ودعوى أنَّ القول بالإعجاز البيانيِّ لم يظهر إلا في القرن الثالث على يد المعتزلة تحتاج إلى تحرير. فالتقعيدُ المفصَّل ازدهر في القرنين الثالث والرابع — عند الجاحظ في «نظم القرآن»، والرمَّاني في «النُّكت»، والخطَّابيِّ في «بيان إعجاز القرآن»، والباقلَّانيِّ في «إعجاز القرآن» — حتى تمَّ عند عبد القاهر في القرن الخامس. والصَّرفةُ نظَّاميّةٌ معتزليّةٌ ردَّها الجمهور. لكنَّ إدراك تميُّز القرآن سابقٌ على التقعيد، والفرقُ ظاهرٌ بين أصل الفكرة واكتمال بنائها.

وأصاب الدكتور في تنبيهٍ دقيق: أنَّ تخصيص «الشعر الجاهليِّ» بوصفه الذروةَ المتحدَّى بها قولٌ متأخِّر، نبَّه إليه محمود شاكر ومحمد أبو موسى. والدليل أنَّ الباقلَّانيَّ لم يجعل الجاهليَّ هو المتحدَّى به، بل نقد معلَّقةَ امرئ القيس وقصيدةً للبحتري جميعًا، ليبيِّن أنَّ كلام البشر — قديمَه وحديثَه — لا يخلو من المآخذ، بخلاف القرآن. فمقارنتُه مع أجود كلام الناس في أيِّ عصر، لا مع الجاهليِّ خاصَّة. ويبقى أن يُقال: ربطُ الإعجاز بفصاحة العرب أصلٌ قديمٌ معروفٌ عند الخطَّابيِّ والباقلَّانيِّ وغيرهما؛ فالأدقُّ التفريق بين هذا الأصل القديم وبين تخصيص الجاهليِّ المتأخِّر، لا إطلاقُ نفي القول عمَّن سبق شاكر.

ثانيًا: في تفاضُل الشعر القديم والمحدَث

لا إجماعَ على تقديم الجاهليِّ

وهنا أصاب الدكتور إصابةً بيِّنة. فدعوى الإجماع على تفضيل الشعر الجاهليِّ لا تثبت؛ والنقدُ القديم مملوءٌ بمآخذ على فحول الجاهلية. وضع المرزبانيُّ «الموشَّح» لجمع مآخذ العلماء على الشعراء، بدءًا بالجاهليِّين، وقلَّ أن يذكر ابنُ قتيبة في «الشعر والشعراء» شاعرًا إلا ذكر عيبه، وكذلك القاضي الجرجانيُّ في «الوساطة»، وابنُ طباطبا في «عيار الشعر»، وأسامةُ بن منقذٍ في «البديع». ومن أصرح ما يُحتجُّ به أنَّ ابن قتيبة جعل المعيار الجودةَ لا الزمن، وقرَّر أنَّ القِدَم ليس مزيّةً والحداثةَ ليست منقصة. فمن ادَّعى الإجماعَ لم يُحرِّر المسألة.

التمييزُ الحاسم: الحكمُ بالجودة شيءٌ، وتفضيلُ الاختراع شيءٌ آخر

لكنَّ هنا مربط الفرس. فثمَّة فرقٌ بين أن تحكم بالجودة لا بالزمن — وهذا حقٌّ، وهو مذهب من سمَّاهم الدكتور: الجاحظ وابن قتيبة والصوليّ والمبرّد وابن الأثير — وبين أن تجعل الاختراعَ وحدَه هو الجودة، وهي دعوى أخرى لم يقل بها هؤلاء، وعليها بنى تفضيلَه العباسيَّ، وقولَه إنَّ التقليد لا قيمة له.

وعبد القاهر يهدم هذه الدعوى من جذورها؛ فالمزيّة في النَّظم لا في غرابة المعنى، والمعنى المتداوَل إذا أُحسِن نظمُه فاق المعنى المخترَع إذا ساء نظمُه. فالنسجُ على طريقة الأوائل ليس نقصًا في ذاته، بل قد يبلغ به صاحبُه ذروةَ البلاغة؛ ولهذا قدَّم كثيرٌ من كبار النقاد البحتريَّ على أبي تمَّام لرصانة سبكه وسلامة عموده، وعابوا على أبي تمَّام إغراقَه في التوليد حتى صار تكلُّفًا. فتفضيلُ أبي تمَّام لأجل التجديد رأيٌ في مسألةٍ لم تُحسَم، لا حكمٌ مقطوعٌ به. وحتى قولُه إنَّ الشاعر سُمِّي شاعرًا لأنه يَشعُر بما لا يَشعُر به الناس صحيحٌ في الاشتقاق، لكنَّ الشعور هنا دقَّةُ الإدراك لا اختراعُ المعاني وحده؛ فالذي يلتقط المشهدَ المألوف بحسٍّ نافذٍ ويصوغه صياغةً محكمةً شاعرٌ وإن لم يخترع.

الشاهدُ اللغويُّ غيرُ الشاهد البلاغيِّ

وممَّا أجاد فيه الدكتور تفريقُه بين الشاهد اللغويِّ والشاهد البلاغيِّ. فالشاهد اللغويُّ — الذي يُحتجُّ به على صحَّة اللفظ والتركيب — محصورٌ في عصور الاحتجاج، والمولَّدون مُخرَجون منه عند النحاة. أمَّا الشاهد البلاغيُّ — الذي يُساق لتشريح جودة النَّظم — فلا يلزمه هذا القيد، لأنَّ الجودة تتحقَّق في كل عصر. وبهذا يُفسَّر إكثارُ عبد القاهر من شواهد المحدَثين والأمويِّين في «الدلائل»، والمولَّدين في «الأسرار»: فالغلبةُ لهم ظاهرةٌ، وعلَّتُها أنَّ الشاهد البلاغيَّ لا يتقيَّد بزمن، وأنَّ المولَّدين وسَّعوا الاستعارةَ والبديعَ والتمثيل فكثُرت أمثلتُهم الصالحة للتحليل. وليس في هذا تفضيلٌ لعصرٍ على عصر، بل اقتضاءٌ للموضوع. والأصلُ أنَّ مذهب عبد القاهر نفسَه يُعلِّق المزيّةَ بالنَّظم لا بالعصر ولا بالقائل، فهو غيرُ قائلٍ بتفضيل الجاهليِّ لذاته حتى يُقال: لو اعتقده لاقتصر عليه.

الجاهليُّ لم يكن أسيرَ صحراء

وأمَّا تعليلُ غزارة المعاني في العباسيِّ بأنَّ العربيَّ كان أسيرَ صحراءَ بلا جمالٍ طبيعيٍّ ولا عمران، فمبالغةٌ فيها نظر. فامرؤ القيس ابنُ ملوكٍ رحل إلى قيصرَ ومات قريبًا من أنقرة، والأعشى جوَّابُ آفاقٍ امتلأ شعرُه بالصور الحضرية من أسفاره ومديحه للملوك، وعامَّةُ أصحاب المعلَّقات على صلةٍ ببلاط الحيرة — كطرفةَ وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزة وعبيد بن الأبرص — والنابغةُ تردَّد بين الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق، وعديُّ بن زيدٍ كان كاتبًا في بلاط الحيرة يعرف الفارسية وذكر الخورنق والسدير. فالعمرانُ والترفُ والجمالُ كان بين أيديهم، لا محجوبًا عنهم.

فإذا سقط هذا التعليل، فالعلَّةُ في كثرة المخترَع عند العباسيِّ طَورُ الصنعة ونضجُها وتراكمُ الفنِّ، لا سجنُ البيئة. ولاحظ أنَّ تعليلات الدكتور نفسَها — الاختلاطُ بالثقافات، ودرسُ بلاغة السابقين، وتشرُّبُ أساليب القرآن — كلُّها أسبابُ تراكمٍ وتطوُّرٍ عبر الزمن. بل تشرُّبُ أساليب القرآن حجَّةٌ لبلاغة القرآن وبيانه؛ إذ يجعله ينبوعًا ارتقى به البيانُ بعده.

قياسٌ منقوض: «المعاني خيرٌ من الألفاظ»

ويبلغ كلامُ الدكتور غايتَه في قياسٍ صريح: المعاني خيرٌ من الألفاظ، والمعاني أكثرُ في المولَّدين، فالمولَّدون خيرٌ من الجاهليِّين. وهذا القياس منقوضٌ في مقدِّمتيه. أمَّا الكبرى فإنَّ دعوى أنَّ المعاني خيرٌ من الألفاظ ليست مسلَّمة، بل هي طرفٌ من خصومةٍ قديمةٍ حسمها عبد القاهر بأنَّ المزيّة ليست في اللفظ وحده ولا في المعنى وحده، بل في النَّظم الجامع لهما؛ فالميزان غير ما بُني عليه. وأمَّا الصغرى ففيها اشتراكٌ في لفظ «المعاني»: إن أُريد الأفكارُ والحِكَمُ المبتكَرة فنعم هي أكثرُ في المولَّدين، لكنها ليست ما تحرص عليه البلاغةُ بمعنى النَّظم؛ وإن أُريد معاني النحو التي عليها مدارُ البلاغة فليست حكرًا على عصر.

ثم إنَّ استشهاده بكلمة العتَّابي — «الألفاظ لنا والمعاني لهم» — ينقلب عليه لا له. فالكلمةُ تجعل الألفاظ، وهي مجالُ البيان والصياغة، للعرب، وتنسب المعاني، وهي مادَّةُ الفكرة المنقولةُ عن العجم، إلى غيرهم. فإذا كانت البلاغةُ في حسن النَّظم وصياغة اللفظ، فقد أقرَّت الكلمةُ أنَّ هذا المجال عربيٌّ، ولم تجعل للعجم إلا مادَّةَ الفكرة لا فنَّ العبارة. على أنَّ المولَّدين — كأبي تمَّام والمتنبِّي — عربٌ يكتبون بالعربية؛ فلا يستقيم نقلُ قسمة العرب والعجم إلى قسمة الجاهليِّ والمولَّد.

الشهرةُ والقِسمة

ومن حُججه أنَّ «مالئ الدنيا وشاغل الناس» قيلت في المتنبِّي لا في امرئ القيس، فكيف يُقال الشاعر الجاهلي خيرٌ من الشاعر المولّد؟ والجوابُ أنَّ هذا يُثبت شهرةً وأثرًا لا رجحانَ بلاغة؛ والشهرةُ تتبع وسائلَ العصر من تدوينٍ وشروحٍ ومجالسَ وانتشار، والجاهليُّ عاش في بيئةٍ قبليةٍ أمِّيةٍ لم يكن فيها عالمٌ يملؤه. فقياسُ المنزلة بالصيت كقياسها بعدد المعاني المخترَعة، كلاهما ميزانٌ غيرُ ميزان النَّظم. وهم في محيطهم العربيِّ أشهرُ من نارٍ على عَلَم.

وأمَّا احتجاجه بعدل الله في القسمة على أنَّ القدماء لم يُخصُّوا بمزيّة، فإن أُريد به أنَّ القِدَم بذاته ليس مزيّةً فحقٌّ، لكنَّ العدل لا يقتضي تساويَ الحظوظ، وقد رفع اللهُ بعضَهم فوق بعضٍ درجات. فيجوز أن يكون عصرٌ أكثرَ إجادةً من عصرٍ بحكمة الله في توزيع المواهب وتهيئة الأسباب، من غير جورٍ في القِسمة؛ فالتفاوتُ في العطاء من تمام حكمته، لا نقضٌ لعدله.

في التشكيك في الموروث

وتشكيكُ الدكتور في أصالة كثيرٍ من الموروث منهجٌ سليمٌ في أصله، وابنُ سلَّامٍ خيرُ من يُستشهد به إذ هو أبو نقد الانتحال. وإيرادُه عبيدَ بن الأبرص في طبقةٍ من الفحول مع قلَّة الموثوق من شعره ليس تناقضًا؛ فالفحولةُ تُبنى على الإجادة والقِدَم وغلبةِ الأقران والمكانةِ المتواترة، لا على عدد الأبيات، وعبيدٌ من أقدم الجاهليِّين، فقِدَمُه سببُ قلَّة الموثوق لا دليلُ ضعفه. وتنصيصُ ابن سلَّامٍ على قلَّة ما يثبت له عينُ التحرُّز لا التساهل. على أنَّ شروط الفحولة لوازمُ غالبةٌ لا شرائطُ قاطعة، وقد عُرف «المُقِلُّ المُجيد» يُعَدُّ في الفحول بجودته وسَبْقه.

لكنَّ هذا التشكيك سكِّينٌ تُمسَك من نِصابها؛ فإذا أُفلِتَ صار سيفًا يَجُبُّ التراثَ كلَّه، كما جرى عند مرجليوث ثم طه حسين في «الشعر الجاهليِّ»، حتى تصدَّى لهما ناصرُ الدين الأسد في «مصادر الشعر الجاهليِّ» ومحمودُ شاكر فردُّوا غلوَّهما. فالعدلُ قبولُ الثابت والتوقُّفُ في المظنون، لا إسقاطُ الجملة. على أنَّ المنحولَ — إن صحَّ أنه منحول — لا يخرج عن كونه قديمًا قيل في عصور الاحتجاج، فيبقى حجّةً في اللغة وإن لم تصحَّ نسبتُه إلى عبيدٍ بعينه.

الميزانُ الجامع

يجمع ما تقدَّم أصلٌ واحد: أنَّ الدكتور — في أكثر مواضع قوَّته — إنما يُحاكم البلاغةَ والإعجازَ بموازينَ ليست موازينَهما. فمرَّةً يَزِنُهما بالمضمون، ومرَّةً بالاختراع، ومرَّةً بالشهرة، ومرَّةً بكثرة المعاني. وكلُّها أوصافٌ قد تجتمع للكلام أو تتخلَّف، والمزيّةُ لا تتبعها، بل تتبع النَّظمَ الذي عليه مدارُ البلاغة، والعجزَ عن المعارضة الذي عليه مدارُ الإعجاز. ومتى رُدَّ كلُّ شيءٍ إلى ميزانه، انفصل الحقُّ من غيره بلا عَنَت.

وثمَّة تمييزٌ لا بدَّ منه يرفع اللَّبس: مسألةُ تفاضُل الشعر — جاهليِّه ومحدَثِه، ولفظِه ومعناه — مسألةٌ في ترتيب كلام البشر بعضِه على بعض، أجنبيّةٌ عن الإعجاز. فلو سُلِّم للدكتور كلُّ ما قال في تفوُّق العباسيِّ، لبقي التحدِّي قائمًا؛ إذ لم يُعارِض القرآنَ لا جاهليٌّ ولا محدَث، لا امرؤ القيس ولا المتنبِّي. بل إنَّ إعلاءه للعباسيِّين يرفع السقفَ الذي تجاوزه القرآن لا يخفضه؛ إذ أعجز أقدرَ الناس اختراعًا وأبعدَهم صيتًا، وهم مع ذلك تشرَّبوا أساليبه ودرسوا بلاغته.

خلاصةٌ منصِفة

تنتظم القراءةُ في ثلاثٍ:

أمَّا ما أصاب فيه وهو نافع: فإنكارُ حصر الإعجاز في وجهٍ واحد، ونقدُ صورة الإعجاز البديعيِّ المبتذلة، ونفيُ الإجماع على تقديم الجاهليِّ، وتقريرُ الحكم بالجودة لا بالعصر، وأنَّ القرآن غير الشعر والتحدِّي في جنسه، وأنَّ الشاهد البلاغيَّ لا زمان له، والدعوةُ إلى التثبُّت في الموروث.

وأمَّا ما هو صوابٌ لكنه لا يمسُّ الأصل: فتفوُّقُ العباسيِّ في الاختراع، وغزارةُ شواهد المولَّدين عند عبد القاهر، وشهرةُ المتنبِّي؛ فكلُّها في ترتيب الشعر البشريِّ، لا في الإعجاز.

وأمَّا ما فيه غلطٌ أو نظر: فبناءُ المسألة على فصل البيان عن المضمون، وقولُه «المعجِزُ مضمونه»، وحصرُ التحدِّي في أفرادٍ أو في قريشٍ أو إلى عام الوفود، وجعلُ الاختراع وحده ميزانَ البلاغة، وتفضيلُ أبي تمَّام كأنَّه محسوم، والقياسُ القائل «المعاني خيرٌ من الألفاظ فالمولَّدون خير»، والاحتجاجُ بالشهرة وبعدل القِسمة على وجهٍ يتجاوز موضعه، وإطلاقُ نفي القول قبل شاكر، والتشكيكُ إذا أُفلِت من نِصابه.

والحاصلُ أنَّ الدكتور أثار خيرًا كثيرًا، وأعاننا على تحرير الأصل: أنَّ البلاغة في النَّظم، وأنَّ الإعجاز في عجز الخلق عن المعارضة، وأنَّ تذوُّق البلاغة لا يُربَط بتقديس عصرٍ بعينه. وهذا غايةُ ما نبتغيه من قراءةٍ علميةٍ، نُنزِل فيها كلَّ قولٍ منزلتَه، لا نَبخس صاحبَه حقَّه، ولا نُسلِّم له ما لا يلزم.

 

توثيق ومصادر

آياتُ التحدِّي: الإسراء ٨٨، هود ١٣، يونس ٣٨، البقرة ٢٣، الطور ٣٤.

مصنَّفاتُ الإعجاز: «نظم القرآن» للجاحظ (مفقود)، «النُّكت في إعجاز القرآن» للرمَّاني، «بيان إعجاز القرآن» للخطَّابي، «إعجاز القرآن» للباقلَّاني، «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني.

كتبُ النقد والتفاضل: «الموشَّح» للمرزباني، «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، «الوساطة بين المتنبِّي وخصومه» للقاضي الجرجاني، «الموازنة بين الطائيَّين» للآمدي، «عيار الشعر» لابن طباطبا، «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ، «العمدة» لابن رشيق، «المثل السائر» لابن الأثير، «طبقات فحول الشعراء» لابن سلَّام، و«مصادر الشعر الجاهليِّ وقيمتها التاريخية» لناصر الدين الأسد.

مصدرُ المقابلة (ثلاثةُ مقاطع):

         https://youtu.be/NLDOdjmBGyQ

         https://youtu.be/gfKcpuACYvY

         https://youtu.be/WshJsoQq4qA


الخميس، 18 يونيو 2026

50 رؤية الرؤيا


جاءت تعاتبُ: أين الشعرُ؟ وا عجبا

يا ساحراً مُلِئت ألفاظُه طرَبا


تنثالُ منكَ فيوضاً في صياغتِها

إن شئتَها بلسماً أو شئتَها شُهُبا


أتيتُ أحملُ قلباً ناءَ من عتبي

عليكَ، هلّا أزلتَ الوجدَ والعتبا


ما قد عهدتُّكَ منهاراً لحادثةٍ

فتطردَ الشعرَ إنْ غنّاك أو نَدَبا


تَغَنَّ من مفرداتِي مالئاً أُذُني

لحنَ الغرامِ، وعجِّل بالذي وَجبا


قل لي: أيا شمسُ، إن الجوَّ مكتئبٌ

عودي عليَّ بدفءٍ يكشِفُ السُّحُبا


فانقضَّ شعري عليها سابقاً رَشَدي

كالفهدِ عند اغتنامِ الصيدِ إن وثبا


طبيعةُ الشعرِ إن وافتْهُ بُغيتُه

وفي النسيبِ انسيابٌ يُذهِبُ التعبا


لطالما اشتاق أن يشتاقَه أحدٌ

وخيرُ أعطيةٍ ما وافقتْ طلبا


من أين أبدأ نسجي فيكِ فاتنتي

فكلُّ ما فيك يحدو بي أنِ اقترِبا


من نورِ عينيكِ أم ثغرٍ وأرنبةٍ

أم الخدودِ وصدرٍ أيقظَ العجبا


أم الحديثِ وما يحويه من حِكَمٍ

أم خفةِ الظلِّ تمحو الحزْنَ والنصَبا


ما بينَ جفنيكِ أنوارٌ وبُوصلةٌ

في حالِكِ الليلِ أستجلي بها الحُجبا


رشفتُ من بسمةٍ بالثغرِ قافيتي

فكنتُ طفلَك لا يرويهِ ما شرِبا


أنا الذي كلما ناجيتُ طيفكِ في

ليلٍ، أثرتُ الهوى والشعرَ والأدبا


فكان حُبِّيكِ مفتاحاً لقافيتي

وكان لي راحةَ الأحلامِ، والتعبا


أحيا على ذكرياتٍ أبعدتْ سِنتي

حيناً تضيءُ وحيناً تُخمِدُ اللهبا


حرارةٌ بفؤادي من تذكّرِها

ورُبَّ لمعةِ برقٍ أشعلتْ حطبا


فمنذُ أن عصفت ريحُ البعادِ بنا

ماءُ القصائدِ من بستانِنا نَضَبا


لم يُبقِ لي البُعدُ إلا جمرَ ذاكرةٍ

يُذكي هوى امرأةٍ كانت لنا ذهبَا


كتبتُ في ضوئهِ شعري وفلسفتي

نظماً يُفاخرُ أنغاماً سَرَتْ كُتُبا


فإن أتيتِ تبدّت راحتي وغدت

كبرى هموميَ صُغرى تبتغي هربا


هَبي لصبٍ غدا في حبكم كَلِفاً

وصلاً يبدِّد من أوصالِهِ الكرَبا


مِن كلِّ خطوةِ بُعدٍ صدرُهُ حَرِجٌ

خُطّافُ حبِّكِ في أعماقِه نشِبا


يا من سلبتِ فؤادي في مبارزةٍ

بسيفِ لحظِك والدنيا لمن غَلبا


برمجتِهِ عاشقاً يرنو إليك هوىً

وقد وهبتُ فؤادي من له سَلبا


تأملي نبضه! تلقَين شفرتَه

توقيعَ اسمِك، والآمالَ والنسبا


نَبَت سيوف الأعادي عن مطامحها

فليت يا هذه سيفُ اللحاظِ نبا


ولستُ أتبع نزواتٍ الهوى أبداً

حاشايَ من تهمةٍ فيها يقال: صَبا


قضَّيتُ عمريَ في درب الهدى فعسى

ألقى إلهي على فرضٍ وما نُدبا


أقول في الشعر ما أرجوه نافلةً

فإن رضيتُ بحقٍ صغتُهُ ذهبا


مَن قدّم الخيرَ لا يُجزى بسيئةٍ

والمرءُ في سعيهِ يُجزى بما كسَبا


يا من رضيتُ على التقوى مودتها

إمّا رضيتِ فخيرُ العيشِ قد كُتبا


هاكِ القصيدةَ غنِّيها على مهلٍ

طولَ الليالي ولا تخشَي من الرُّقبا


الشعرُ يبقى على مَرِّ الزمانِ رُقىً

وكنتِ في هذه يا درَّتي السببا

ع ح


الأحد، 8 مارس 2026

قراءة فكر عبدالله الدهماني

 


 

نحو قراءة تحليلية في فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني

دراسة في بنيته النظرية ومشروعه السنني في قراءة الإنسان والواقع

 

» وحقيقة التوحيد هي وحدة التفسير والإلزام والجزاء«   الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني

 

المقدمة

يمثل فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني محاولةً متماسكة لبناء قراءة إسلامية كلية للإنسان والواقع والتاريخ، لا تقف عند حدود الوعظ، ولا تكتفي بردود الأفعال الثقافية المباشرة، بل تسعى إلى تأسيس نموذج تفسيري متدرج ينطلق من العقيدة، ويمر بالنفس والمعرفة والسلوك، ثم ينتهي إلى الاجتماع والتاريخ والواقع العالمي المعاصر.

وهذه المحاولة لا تُفهم حق الفهم إذا قُرئت في صورة موضوعات منفصلة — كالتوحيد، أو الأحكام، أو أزمة الأمة، أو التزكية، أو التدسية، أو العلمانية، أو التفاهة — لأن هذه كلها عنده ليست ملفات مستقلة، بل فروع متولدة عن أصل واحد. ذلك الأصل هو أن الإنسان كائن مكلّف، وأن فعله الإرادي لا يُفهم إلا داخل منظومة إلزام.

ومن هنا يتشكل السؤال المركزي الذي تنتظم حوله نصوصه كلها: بمَ يُلزم الإنسان نفسه؟ ومن أين يستمد هذا الإلزام؟ ومنذ هذه النقطة يبدأ نسقه كله في الاتساع؛ لأن مصدر الإلزام عنده ليس مسألة فقهية جزئية، بل هو المدخل إلى فهم النفس والمعرفة والسلوك والتربية والسياسة والواقع الحضاري المعاصر.

ومن أجل ذلك يغلب على فكره الطابع المنظومي؛ فهو لا يكتب في الغالب كتابةً تجزيئية، بل يشتغل عبر خرائط كلية وثنائيات وخماسيات وثلاثيات، يقصد بها تحويل الواقع المتشعب إلى بنية تفسيرية قابلة للفهم والتشخيص والمعالجة. ولهذا يبدو فكره في بعض الأحيان ثقيلًا في التلقي، لا لاضطرابه الداخلي، بل لقوة تماسكه وتوليده الداخلي للمفاهيم. إنه فكر مؤسس لمشروع، لا مجرد تعليقات على الوقائع.

وتسعى هذه الدراسة إلى إعادة كتابة معالم هذا المشروع إعادةً متكاملة، تستوعب أصوله العقدية وبنيته النفسية والسلوكية وتصوره للمعرفة الجيدة وتحليله لأزمة الأمة وبناءه لمنظومة الفكر العقدي وقراءته للحداثة وما بعدها، ثم عرضه الأوضح في «ثلاثية نظام التدسية المعاصر«.

 

أولًا: المنطلق الأعمق — الإنسان كائن مكلّف

المدخل الصحيح إلى فكر الدكتور الدهماني ليس السؤال عن رأيه في الحداثة، ولا عن تفسيره لأزمة الأمة، ولا عن مشروعه التربوي، بل عن نظرته إلى الإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس مجرد ذات نفسية، ولا فردًا اجتماعيًا، ولا عنصرًا سياسيًا في جماعة، بل هو قبل ذلك كله كائن مكلّف. وهذه الفكرة البسيطة في ظاهرها هي المفتاح الذي يفسر جميع امتدادات مشروعه.

فإذا كان الإنسان كائنًا مكلّفًا، فإن كل فعل إرادي يصدر عنه لا بد أن يقع تحت حكم ما. ومن هنا يصير سؤال الفعل الإنساني عنده سؤالًا معياريًا قبل أن يكون سؤالًا وصفيًا: هو لا يبدأ عادةً من «لماذا وقع الفعل؟» بل من «كيف يُحكم على هذا الفعل؟ وما المرجعية التي تمنحه معناه ووزنه الأخلاقي والشرعي؟» ولهذا فإن الفكر والنفس والتربية والاجتماع والسياسة والعالم المعاصر، كلها في نسقه تعود في النهاية إلى أصل واحد: مرجعية الحكم على الفعل الإرادي.

وبهذا نفهم سرّ حساسيته الشديدة تجاه الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية والنسبية القيمية؛ فهذه كلها في نظره لا تمثل مجرد اختلافات ثقافية أو فلسفية، بل صورًا لتحويل مصدر الإلزام: إما من الوحي إلى العقل، أو من الحق إلى الجماعة، أو من المرجعية إلى اللاحكم، وهو ما يفضي في النهاية إلى تفكيك المسؤولية نفسها.

 

ثانيًا: مركز الثقل — الحكم لا الوصف

إذا كان أصل فكره أن الإنسان كائن مكلّف، فإن مركز الثقل فيه هو أن العالم لا يُقرأ أولًا من منظور الوصف، بل من منظور الحكم. وهذه نقطة دقيقة جدًا في فهمه؛ لأنه لا يتعامل مع الفكر بوصفه تأملًا محايدًا في الواقع، بل باعتباره تحديدًا لمصدر الإلزام الذي يحكم الفعل. ولذلك تكثر في كتاباته صيغ: الحكم الشرعي، الحكم العقلي، غياب الحكم، تصور وحكم، تفسير وإلزام وجزاء.

وهذا كله ليس ترتيبًا تعليميًا فحسب، بل بنية عقلية ثابتة: تحويل الظواهر إلى بنية حكم. فالعالم عنده لا يُفهم فقط عبر توازنات القوة، ولا عبر المصالح الاقتصادية، ولا عبر التحولات الاجتماعية المجردة، بل عبر سؤال أعمق: ما المرجعية التي تحكم الفعل؟

ومن هنا أيضًا يفسر أزمة الأمة تفسيرًا يختلف عن كثير من القراءات السياسية أو الإصلاحية السطحية. فأزمتها في جوهرها ليست عنده أزمة عدد أو عتاد أو تدبير سياسي فحسب، بل هي أزمة مرجعية حكم.

 

ثالثًا: البنية الثلاثية — العقل والنفس والسلوك

في هذا الموضع يظهر أحد مفاتيح فكره المهمة، وهو تقسيم الإنسان عمليًا إلى ثلاث دوائر متداخلة: العقل موضع التفسير والفهم، والنفس موضع الحب والخوف والرجاء والوهن والثبات، والسلوك ميدان العمل والتبعية والاتباع والإنجاز.

وهو يرى أن الخلل لا يبدأ من السلوك مباشرة، بل يبدأ من التفسير؛ لأن التفسير الخاطئ ينتج نفسًا واهنة، والنفس الواهنة تنتج سلوكًا تابعًا أو مضطربًا. ولهذا لا يثق بالإصلاح السلوكي وحده، ولا بالوعظ المجرد، ولا بالحماس الخطابي المنفصل عن البناء المعرفي. إنه يطلب دائمًا «منظومة يقين تفسيرية»، أي بناءً معرفيًا يفسر العالم والإنسان والأحداث تفسيرًا يورث اليقين، ثم يُترجم ذلك إلى ثبات نفسي وفاعلية سلوكية.

وفي هذا السياق تندرج قائمته للعوامل الأساسية للشخصية الفاعلة: اليقين التفسيري، والإرادة العلمية، والوعي الذاتي، والثبات النفسي، والولاء الاجتماعي، والعمل المتقن، والتوبة الصادقة. وهذه القائمة ليست أخلاقًا متناثرة، بل حلقات في تكوين الإنسان الفاعل: فهم، فإرادة، فوعي، فثبات، فاندماج اجتماعي، فإتقان عملي، فتصحيح مستمر بالرجوع إلى الله.

 

رابعًا: التوحيد بنيةً لا بابًا

من أكثر النقاط مركزية في فكر الدكتور الدهماني أنه لا يتعامل مع التوحيد بوصفه مجرد باب من أبواب العقيدة المدرسية، بل ينظر إليه بوصفه البنية العليا التي تنتظم الوجود الإنساني كله. ولهذا يقول: حقيقة التوحيد هي «وحدة التفسير والإلزام والجزاء«.

فالتوحيد عنده يفسر العالم لأنه يرد الظواهر إلى مرجعية واحدة كاشفة للمعنى، ويلزم السلوك لأنه يجعل الحكم على الفعل صادرًا عن مرجع أعلى لا عن أهواء الأفراد والجماعات، ويضبط الجزاء لأنه يربط الفعل بنتيجته في الدنيا والآخرة ضمن نظام عدل إلهي. ومن هنا تتولد بقية مفاهيمه: فالمخلوقات نظم توحيد، والإنسان نظام تزكية، وثلاثية البصيرة المعرفية هي الفطرة والخبرة والوحي، وخماسية الجزاء هي التفكير والتصديق والتسليم والنية والعمل الإرادي.

وهكذا ينتقل التوحيد من أن يكون مجرد تقرير عقدي إلى أن يصبح بنية عقلية ونفسية وسلوكية ومعرفية واجتماعية. ولذلك يربطه بالتفكير والاجتهاد والأمن الفكري والعمل المتقن وبناء المعرفة الجيدة وصلاح الفرد والمجتمع.

 

خامسًا: المعرفة الجيدة ووحدة البناء المعرفي

في ضوء هذه الرؤية التوحيدية، يقدم الدكتور الدهماني تصورًا لافتًا لما يسميه «المعرفة الجيدة«. وهو يرفض أن تُقاس المعرفة النافعة بالحظوظ الدنيوية أو بالمنفعة الظاهرة وحدها، ويرى أن قيمتها تُقاس بتكاملها وانتظامها ووحدتها في عقل الإنسان ووجدانه وسلوكه. ولذلك يجعل المفهوم الأساس في بناء المعرفة الجيدة هو «الوحدة»: وحدة المعلومات وعدم تناقضها، ثم وحدة التفكير فيها والتصديق بها والتسليم النفسي والعملي لها، ثم وحدة الوعي الذاتي والاجتماعي للفرد.

وينتهي هذا كله إلى منظومة يقين مفسرة للظواهر والأحداث والأعمال، ومنهج تفكير سليم، وطمأنينة قلب عاقل، ومشاعر نفسية واجتماعية طيبة، وعمل صالح متقن. بهذا المعنى، المعرفة عنده ليست تراكمًا معلوماتيًا، بل بنية موحدة تُنبت اليقين وتولد السكينة وتثمر العمل.

وهذا التصور المعرفي ينسجم تمامًا مع نقده للواقع المعاصر؛ لأن أزمة الإنسان الحديث في نظره ليست فقط كثرة المعلومات، بل تشتتها وانفصالها عن الوحدة المفسرة وعن التسليم العملي وعن الوعي الذاتي والاجتماعي.

 

سادسًا: منظومة الفكر العقدي ومنظومة التفكير العلمي

يتوسع هذا البناء إلى ما يسميه «منظومة الفكر العقدي»، وهي خمس أفكار رئيسة مشتقة من العقيدة الإسلامية: حقيقة التوحيد بوصفها وحدة التفسير والإلزام والجزاء، والمخلوقات نظم توحيد والإنسان نظام تزكية، وثلاثية البصيرة المعرفية: الفطرة والخبرة والوحي، وفاعلية الإنسان هي فاعلية الإرادة العلمية، وخماسية الجزاء: التفكير والتصديق والتسليم والنية والعمل الإرادي.

كما يقدم «منظومة التفكير العلمي في حقيقة التوحيد»، ويجعلها قائمة على الاستقراء السنني، والاستدلال التفسيري، والتصديق السمعي، ومهارات السؤال. واللافت هنا أنه لا يفصل بين العلم الشرعي والتفكير المنهجي، بل يريد أن يؤسس من التوحيد نفسه منهجًا في النظر والاستدلال والسؤال والحكم. ومن هنا يظهر أن فكره ليس تربية أخلاقية وحسب، ولا دفاعًا عقديًا تقليديًا، بل محاولة لبناء عقلية إسلامية متكاملة ترى العالم من داخل التوحيد لا من خارجه.

 

سابعًا: الأحكام العملية — من الفقه إلى خريطة تفسير العالم

من النصوص المفصلية في فهم فكره نصه في «أهمية الأحكام العملية في حياتنا«. هذا النص في ظاهره قصير، لكنه في حقيقته خريطة تفسير للعالم. فحين يضع التصاعد الثلاثي: في الإسلام لكل فعل إرادي حكم شرعي، وفي فكر الحداثة لكل فعل حكم عقلي وعند الاختلاف فالحكم للأغلبية، وفي فكر ما بعد الحداثة لا أحكام للأفعال وكل فعل مباح — فهو لا يكتب تقريرًا فقهيًا، بل يضع معيارًا واحدًا لقراءة التاريخ والحضارة والواقع: مصدر الحكم على الفعل الإرادي.

وجملته الجامعة: «ومنظور الأحكام يفسر لنا ما يحدث في العالم من أحداث» ليست خاتمة عابرة، بل دعوى تفسيرية كبرى: العالم ينفجر عندما يغيب الحكم، ويتوحش عندما ينفصل الحكم عن الحقيقة، ويستقيم عندما يتوحد مصدر الإلزام.

 

ثامنًا: أزمة الأمة — الوهم والوهن والتبعية

في ضوء هذا البناء كله يقرأ الدكتور أزمة الأمة الإسلامية المعاصرة. وهو يستند في ذلك إلى حديث القصعة، لكنه لا يقف عند الوعظ به، بل يحوله إلى خريطة تشخيصية. فالأزمة عنده ذات ثلاثة محاور: محور عقلي أزمته الوهم، وهو وهم القوة والغلبة في الكثرة والصورة؛ ومحور نفسي أزمته الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت؛ ومحور سلوكي أزمته التبعية، وهي الانقياد لمنظومات الآخرين في القيم والسلوك والمعايير.

وهي في الحقيقة إعادة تطبيق لبنيته الثلاثية الكبرى: تفسير فاسد، ثم نفس مضطربة، ثم سلوك تابع. ولذلك فإن مشروعه الإصلاحي لا يبدأ من السياسة وحدها، ولا من الحماسة وحدها، بل من إعادة بناء التفسير، لأن فساد التفسير يولد فساد المقصد ثم فساد السلوك.

 

تاسعًا: ثلاثية نظام التدسية المعاصر

يبلغ هذا النسق الفكري أوضح صوره في عرض «ثلاثية نظام التدسيةالمعاصر»، حيث ينطلق من سورة الشمس بوصفها خريطة للأنظمة: محور النظام الكوني «نظام التسخير»، ومحور النفس الإنسانية «نظام التزكية ونظام التدسية»، ومحور الاجتماع والتاريخ. وهنا تظهر فكرته بوضوح: القرآن يقدم خرائط تفسيرية لا مجرد وعظ تعبدي.

ثم ينتقل إلى الاجتماع والتاريخ ليقرر أن التدسية ليست حالة فردية فقط، بل نموذج نظام اجتماعي يتكرر في الأمم. ثم يضيف أن التدسية في الواقع المعاصر تحولت إلى نظام عالمي يهيمن على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والتقنية، وأن هذا النظام هو الأشد والأعتىفي التاريخ البشري بما لديه من العلم والمال والتقنية وتوظيف تراكمات الأنظمة السابقة لإحكام السيطرة. ويُحدد خصوصية التدسية المعاصرة في ثلاثية محددة: عدم اليقين، واللا أحكام، والتفاهة.

 

عاشرًا: عدم اليقين

عدم اليقين عنده ليس مجرد حالة معرفية عرضية، بل حالة مركبة تبدأ بالحيرة والتردد، ثم الشك، ثم الوصول إلى عدم اليقين. وأخطر حالاته هي عدم اليقين بالمرجعية الدينية: التشكيك في القرآن والسنة، والطعن في العلماء والقدوات، ثم الانتقال إلى التشكيك في وجود الخالق. وهذا ينسجم تمامًا مع تشخيصه السابق؛ لأن سقوط المرجعية في النفس هو بداية انهيار منظومة الإلزام.

أما العلاج فيقوم على أمرين متلازمين: الوعي السنني أي فهم سنن الآفاق وسنن الأنفس وأحداث الحاضر ومرجعياتها الفكرية، والتفكير النقدي البناء أي تدريب النفس والناشئة على نقد الأفكار والآراء بمنهج سليم. وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في مشروعه؛ لأنه لا يواجه الشك بالدعوة إلى تعطيل النظر، بل يدعو إلى نظر أعمق من داخل منظومة يقين منضبطة.

 

حادي عشر: اللا أحكام

الركن الثاني من ثلاثية التدسية هو «اللا أحكام»، ويقصد به نزع العلاقة بين الفعل وبين حكمه الشرعي أو العقلي، بحيث يصبح كل فعل مباحًا. ويقترح علاجًا تربويًا منهجيًا هو «منهج تدريس الأحكام الشرعية»، مستنبطًا قاعدة جامعة من آية الصيام: تعظيم الآمر، ثم الحكم، ثم الصفة الخلقية الناتجة عنه. فهذا الترتيب عنده مهم جدًا: لا تُدرَّس الأحكام في صورة أوامر منفصلة فقط، بل ضمن سياق تربوي يربط الأمر بمصدره والحكم بثمرته الخلقية. ولذلك فالحكم ليس مجرد ضبط خارجي، بل مسار لتكوين التقوى.

 

ثاني عشر: نظام التفاهة

الركن الثالث هو «التفاهة»، وهي عنده ليست ظاهرة ذوقية أو مشكلة في المحتوى الترفيهي فقط، بل نظام عالمي يصنع نماذج ويضخمها ويمولها. ومن ملامحه الاهتمام بالتافهين بوصفهم قدوات نجاح، وإقناع الإنسان أن الطريق الأسهل للمال والوجاهة هو تفريغ المعنى والجهد. ويرى أنه يقوم على ركنين: تعطيل العقل الذي يظهر في ضعف التركيز وتشتت الانتباه، ووهم المتعة في شعور زائف باللذة الآنية.

والعلاج عنده هو إرادة المعالي والهمم العالية، أي صناعة هدف كبير ومعنى كبير يحمي الإنسان من الانحدار، ثم تعليم المنظومات بدل الغرق في الجزئيات. وهنا يتضح مرة أخرى أن مشروعه التربوي مقاومةٌ للتفكك المعرفي والوجداني عبر إعادة ربط الإنسان بالمعنى الكلي.

 

ثالث عشر: التربية وبناء الإنسان الفاعل

ليس فكر الدكتور مشروعًا نقديًا صرفًا، بل هو مشروع بناء. ففي صلبه اهتمام واضح بتكوين الشخصية الفاعلة وببناء المعرفة التي تثمر العمل المتقن وبغرس الإرادة العلمية وبترسيخ الوعي الذاتي والاجتماعي وبالعناية بالتوبة الصادقة والولاء الاجتماعي والثبات النفسي. ولهذا تظهر في نصوصه التربية بوصفها تحويلًا للمعرفة إلى بنية نفسية وسلوكية، لا مجرد تلقين معلومات.

 

رابع عشر: موقفه من الحداثة وما بعدها والعلمانية

من داخل هذا النسق كله نفهم نظرته إلى الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية. هو لا يتناولها عادةً من باب التاريخ التفصيلي للفلسفة الغربية، بل من زاوية معياريّة: ماذا فعلت بمصدر الإلزام؟ كيف أثرت في علاقة الإنسان بالحكم؟ ومن هنا جاء حكمه الإجمالي: الحداثة نقلت الحكم من الوحي إلى العقل، وما بعد الحداثة نقلته من العقل إلى اللاحكم، والعلمانية في ممارساتها لا تنفصل عن هذا المسار. ولذلك دعا إلى مراجعة مفهوم العلمانية من واقع الممارسات الفعلية للدول العلمانية، كما في التعامل مع المحجبات في فرنسا، أو ما جرى في تركيا العلمانية، أو المواقف الغربية المعاصرة من غزة.

وهذا يعني أن اعتراضه ليس مجرد اعتراض أخلاقي على بعض السلوكيات، بل اعتراض على البنية المرجعية التي تفصل الحكم عن مصدره المتجاوز، أو تجعله تابعًا لموازين القوة والغلبة والمصلحة.

 

خامس عشر: الخصائص المنهجية لفكره

يمكن بعد هذا كله أن نصف فكر الدكتور الدهماني بأربع خصائص متلازمة. أولها أنه فكر منظومي يميل إلى بناء الخرائط الكلية لا إلى الشرح التجزيئي، ولذا تكثر عنده الثلاثيات والخماسيات والثنائيات بوصفها طريقةً في الإمساك بالواقع وردّه إلى بنى عليا. وثانيها أنه فكر سنني يستخرج من القرآن ومن خبرة الإنسان قوانين لحركة النفس والمجتمع والتاريخ. وثالثها أنه فكر تربوي حضاري لا يفصل بين المعرفة وإصلاح الإنسان، ولا بين إصلاح الإنسان وبناء المجتمع، ولا بين المجتمع وتفسير التاريخ. ورابعها أنه فكر يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، أي من الكليات إلى الجزئيات، ومن الرؤية إلى الوقائع، ومن المنظومة إلى الحدث.

 

سادس عشر: موقعه في الفكر الإسلامي المعاصر

يمكن أن يُنظر إلى فكر الدكتور الدهماني بوصفه امتدادًا معاصرًا لخط إسلامي سعى إلى فهم الحضارة والأمة من خلال بنى كلية. ففيه شيء من الحس السنني الذي يذكّر بابن خلدون من جهة قراءة الأنظمة والحركة الاجتماعية، وفيه شيء من الهم الحضاري الذي يذكّر بمالك بن نبي من جهة تشخيص قابلية الانهيار وإعادة بناء الإنسان. لكن ما يميزه بوضوح هو تشديده على البعد النفسي المعرفي: التفسير، ثم النفس، ثم السلوك، ثم المجتمع، ثم النظام العالمي.

 

الخاتمة

ينكشف من هذا العرض أن فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني ليس مجموعة ملاحظات متناثرة في العقيدة أو التربية أو نقد الحداثة، بل مشروع واحد متماسك، يبدأ من تعريف الإنسان بوصفه كائنًا مكلّفًا، ثم يجعل مصدر الإلزام محور تفسيره للفعل الإنساني، ثم يبني على ذلك تصورًا للتوحيد بوصفه وحدة للتفسير والإلزام والجزاء، ويصل من خلال ذلك إلى بناء نظرية في المعرفة الجيدة والشخصية الفاعلة وأزمة الأمة وقراءة الواقع العالمي المعاصر عبر «ثلاثية نظام التدسية».

وفي هذا كله يظهر أنه يحاول أن يعيد بناء العلاقة بين العقيدة والحياة، وبين المعرفة والعمل، وبين النفس والتاريخ، وبين التربية والحضارة.

والحق أن قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في ما يقدمه من أجوبة، بل في نوع الأسئلة التي يعيد طرحها: ما الإنسان؟ ما المعرفة الجيدة؟ ما مصدر الحكم؟ كيف يتكون الوهن؟ كيف تتحول النفس إلى نظام اجتماعي؟ وكيف يصبح التوحيد قوة تفسير وبناء وحركة؟ وهذه الأسئلة، إذا نضجت في خطاب علمي وتربوي أوسع، يمكن أن تجعل من فكر الدكتور الدهماني إسهامًا مميزًا في تجديد التفكير الإسلامي المعاصر من داخل أصوله.

 


قراءةٌ في أطروحة أد. مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث

البلاغةُ والعصرُ والإعجاز قراءةٌ نقديةٌ في أطروحة الدكتور مختار غوث، في التحدِّي القرآنيِّ ونظريةِ النَّظم وتفاضُلِ الشعر القديم والمحدَث ...