البيت الأول- الصفاء الكوني:
النص:
صَفا بِكَ عَيشٌ حيثُما أنتَ
نازلُ | وتَحْلو وإنْ طالتْ إليكَ المَراحلُ
تفتتح القصيدة مطلعها بالفعل «صفا»، وهو
اختيار دال يضع الصفاء – منذ الوهلة الأولى – حالة ناجزة لا وعدًا مؤجلًا؛ فالفعل
الماضي هنا لم يأت لإفادة الزمن المنقضي، بل لإفادة التحقّق والثبوت، مقررًا أن
هذا الصفاء حقيقة استقرّت في بنية المعنى، وتمّت بوصفها حالًا قائمة لا تنتظر تعليلًا
ولا تُعلَّق على شرط، مما ينقل المتلقي دفعة واحدة من طور التوقّع والقلق إلى
طمأنينة الإقامة في النتيجة.
ويأتي تقديم الجار والمجرور «بكَ» قبل الفاعل
«عيشٌ» ليُحكم هذا التأسيس إحكامًا نظميًا دقيقًا؛ إذ لا يُترك الصفاء عائمًا ثم
يُضاف سببه بعد ذلك، بل يعلّق منذ البدء بالمخاطَب. فالتقديم هنا يُفيد قصرًا
سببيًا، يجعل الصفاء أثرًا مباشرًا لوجود المخاطب، لا صفةً طارئةً على العيش.
وبذلك ينقلب ترتيب المعنى المألوف: فليس العيش هو الأصل ثم يأتي الصفاء تابعًا، بل
الحضور هو الأصل، والعيش يتشكّل على ضوئه. ويُسهم تنكير «عيشٌ» في توسيع هذا
الأثر، فلا يُحصر الصفاء في جانبٍ بعينه، بل يشمل التجربة كلّها، زمانًا وحالًا
ومسارًا.
وفي هذا التركيب ينكشف لطف آخر؛ فالباء في
«بك» ليست باء السببية المجردة، بل تحمل معنى الإلصاق والاتصال الوثيق، كأن الصفاء
لا يأتي من المخاطب فحسب، بل يلتصق به التصاقًا لا ينفك، فيصير الحضور والصفاء
شيئًا واحدًا. وهذا المعنى يتعمق حين نلاحظ أن الفاعل «عيشٌ» جاء نكرة، فلم يقل
«العيش» بالتعريف، مما يفتح المعنى على كل عيش ممكن، لا عيش بعينه؛ فكأن أي عيش،
في أي حال، يصفو بمجرد أن يقترن بهذا الحضور.
ثم يتسع الأفق بعبارة «حيثما أنتَ نازلٌ»،
حيث تُنزع عن المكان خصوصيته الضيقة، ويُترك مفتوحًا على الامتداد. فـ«حيثما» تفيد
عمومًا لا يستثني موضعًا، وكأن المكان كلّه يصير قابلًا لأن يحتضن هذا الصفاء.
ويُتمّ اسم الفاعل «نازلٌ» هذا المعنى بإيحاء الثبات؛ فهو لا يصوّر فعلًا عابرًا،
بل حالَ إقامةٍ واستقرار. ومع اجتماع عموم المكان وثبات الحال يتكوّن معنى الصفاء
المقيم، الذي لا يتبدّل بتبدّل الأمكنة، لأنه متصل بالحضور لا بالظرف، وبالمعنى لا
بالجغرافيا.
وفي لفظ «نازل» إشارة لطيفة أخرى؛ فالنزول
يقتضي الاستقرار بعد حركة، والإقامة بعد سفر، فكأن المعنى يومئ إلى أن الصفاء لا
يقتصر على حال الثبات الأصلي، بل يشمل حتى حالات الانتقال والترحال. فأينما نزلت،
وحيثما استقررت، فثم الصفاء. وهذا يمهد تمهيدًا بارعًا للشطر الثاني الذي سيتحدث
عن الطريق والمراحل، فيتحقق تماسك داخلي بين الشطرين، لا يجعل الثاني مجرد إضافة،
بل امتدادًا عضويًا للأول.
ثم يتبدل في الشطر الثاني النسق الزمني تبعًا
لتحرّك المعنى، فيأتي الفعل مضارعًا: «وتحلو». فبعد أن تقرّر الصفاء بوصفه حالةً
مستقرة، ينتقل الكلام إلى تجربة الطريق، وهي بطبيعتها متجددة، متكررة، فيأتي
المضارع ليواكب حركة السير، ويُصوّر تجدّد الإحساس مع كل مرحلة تُقطع. وفي هذا
الانتقال من الماضي إلى المضارع دلالة على أن الصفاء المحقق في الإقامة يتحول إلى
حلاوة متجددة في المسير، فلا ينقطع الأثر الطيب بتبدل الحال.
ويجيء التركيب الشرطي «وإن طالت» اعتراضًا
مقصودًا، يُدخل عنصر المشقّة إلى قلب الصورة، لا ليُسلّمه زمام المعنى، بل ليُفرغه
من سلطانه المألوف. فطول الطريق، الذي جرت العادة أن يكون مصدر عناء، يُقابَل هنا
بالحلاوة، ثم يُسلب قدرته على الإفساد. ليست الحلاوة قائمةً رغم الطول فحسب، بل
كأنها تنمو معه، حتى يغدو ما يُنتظر منه أن يُثقِل باعثًا على الاستعذاب. ويُعمّق
هذا المعنى جمعُ «المراحل»، إذ تتوزع الحلاوة على الطريق كله، مرحلةً مرحلة، فلا
تكون لذة الوصول وحدها، بل لذة الاقتراب المتكرر.
وفي إسناد الفعل «طالت» إلى «المراحل» لا إلى
«الطريق» دقة معنوية بالغة؛ فالمراحل هي وحدات الطريق، ومحطاته المتعاقبة، فحين
تطول المراحل يعني ذلك تكاثر المحطات وتباعد المسافات بينها، وهو ما يضاعف الإحساس
بالمشقة في التجربة المعتادة. لكن البيت هنا يقلب هذا المعنى، فيجعل تكاثر المراحل
وطولها سببًا لتكاثر الحلاوة وتجددها، لأن كل مرحلة تُقطع هي مرحلة أخرى من
الاقتراب إلى المقصد المحبوب.
وتُحسم جهة المعنى بلفظ «إليك»، الذي يرفع
الطريق من كونه مسافةً تُقطع إلى كونه انجذابًا واعيًا نحو مقصدٍ معلوم. وحين
يتحدد المقصد، تتحول المراحل من أثقالٍ تُحتمل إلى مطالب تُرتجى، ويصير السير نفسه
جزءًا من الغاية. وفي تعدية الفعل بـ«إلى» دون «نحو» أو غيرها إيحاء بالوصول
المحقق، لا مجرد التوجه المحتمل؛ فـ«إلى» تفيد الانتهاء والبلوغ، فكأن المراحل،
مهما طالت، إنما تنتهي إليك حتمًا، فلا خوف من ضلال ولا قلق من انقطاع.
وعند هذا الحد يتكشف التوازن الدقيق في توزيع
الأزمنة: فالماضي في «صفا» أثبت الصفاء قاعدةً للإقامة، والمضارع في «تحلو» صوّر
الحلاوة تجربةً متجددة في المسير. وهذا التوزيع ليس عشوائيًا، بل يعكس بنية المعنى
العميقة؛ فالصفاء في الإقامة حقيقة ثابتة لا تحتاج إلى تكرار الإثبات، أما الحلاوة
في المسير فهي تجربة تتجدد مع كل خطوة، فناسبها المضارع الدال على التجدد
والاستمرار.
ويُسهم الصوت في تدعيم هذا البناء؛ فامتداد
الصاد في «صفا» يوحي بنقاءٍ منبسط، ولين الأصوات في «تحلو» ينسجم مع انسياب اللذة،
بينما تُجسّد جهارة الطاء في «طالت» ثِقل المسافة، قبل أن تنحلّ في ليونة «المراحل».
وهذا التناغم الصوتي ليس زخرفة خارجية، بل هو جزء من المعنى نفسه؛ فالأذن تسمع
الصفاء في امتداد الصاد، وتحس الحلاوة في رخاوة الحاء واللام والواو، وتشعر بثقل
الطريق في انفجارية الطاء، قبل أن تستريح في سلاسة اللام والميم في «المراحل».
وإذا نظرنا إلى البيت في كليته، وجدناه يقوم
على مقابلة خفية محكمة بين الإقامة والترحال، وبين المكان والزمان؛ ففي الشطر
الأول يحضر المكان عنصرًا محوريًا من خلال «حيثما أنت نازل»، وفي الشطر الثاني
يحضر الزمان من خلال «طالت» و«المراحل». والبيت يوحّد بين العنصرين في معنى واحد، هو
أن الصفاء والحلاوة لا يتأثران بتبدل المكان ولا بامتداد الزمان، لأنهما متعلقان
بالحضور لا بالظرف.
وفي هذا التوحيد إشارة عميقة إلى أن التجربة
التي تتحدث عنها القصيدة ليست تجربة مكانية ولا زمانية بالمعنى الضيق، بل هي تجربة
وجودية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتجعل من الحضور نفسه مكانًا وزمانًا. فأينما
كان المخاطب فثم المكان الصافي، ومهما طالت المراحل إليه فثم الزمان الحلو.
ومن اللطائف أن البيت يبدأ بفعل ماض «صفا»
وينتهي بمصدر ميمي «المراحل»، وبينهما فعل مضارع «تحلو»، فكأن البيت يرسم خطًا
زمنيًا كاملًا: ماضٍ محقق، وحاضر متجدد، ومستقبل ممتد في «المراحل» التي لم تنقطع
بعد. وهذا يجعل البيت يحتوي الأزمنة الثلاثة في تركيب واحد، مما يعطيه كمالًا
زمانيًا يناسب كونه مفتتح القصيدة.
ومن جهة المعنى الكلي، فإن هذا البيت يؤسس
لنبرة القصيدة كلها؛ فهو يبدأ بالاحتفال لا بالشكوى، وبالصفاء لا بالكدر،
وبالحلاوة لا بالمرارة. وهذه البداية المشرقة ليست خداعًا للمتلقي، ولا وعدًا
كاذبًا، بل هي تأسيس لمنظور سيظل مهيمنًا على القصيدة كلها، حتى حين تدخل أطوار
الألم والخيبة؛ فالقصيدة لن تنظر إلى التجربة من زاوية الانكسار، بل من زاوية التحول،
ولن تجعل من الألم غاية، بل مرحلة في طريق الرشد.
وفي هذا المعنى تكمن براعة الاستهلال
الحقيقية؛ فالمطلع الجيد ليس هو الذي يُبهر بلفظه أو يدهش بصورته فحسب، بل هو الذي
يضع القارئ منذ البداية في الأفق الصحيح، ويهيئه لما سيأتي، ويعطيه مفتاح القراءة.
وهذا المطلع يفعل ذلك كله؛ فهو يخبر القارئ منذ البيت الأول أن القصيدة ستكون
قصيدة تحول لا انكسار، وارتقاء لا سقوط، ونور لا ظلام، مهما مرت بأطوار الألم
والخيبة.
بهذا النسق المحكم ينهض البيت مفتتحًا
القصيدة، بمعانٍ تنضج ثمارًا طيبة من تآلف الألفاظ وترتيبها؛ فيتولّد المعنى
تدريجيًا من صميم التركيب وشبكة العلاقات النظمية بين الكلمات، مما يجعل الإقامة
طمأنينة، والطريق لذة، مهيئًا القارئ منذ الوهلة الأولى لقصيدة يكون التحوّل فيها
ارتقاءً لا انكسارًا، ونورًا لا وجعًا. وأرجو أن يخلد هذا المطلع في زاهيات
المطالع نموذجًا مشرفًا لبراعة الاستهلال وحسنه؛ فهو بيت مكتفٍ بنفسه، صالح
للاستشهاد في مواضعه، سلس اللفظ، حافل بشرف المعنى.