أمة لا تموت..
في اللحظات التي يضيق فيها الأفق، وتتكالب فيها الأحزاب، وتكاد القلوب تبلغ الحناجر، يبحث المسلم في ذاكرته عن مشاهد شبيهة مرّت بها الأمة من قبل، فيسعفه التاريخ بصوتٍ أعلى من كل ضجيج: لقد مرّت هذه الأمة العظيمة بما هو أشد، وخرجت منه أصلب عوداً.
إن التاريخ يخبرنا بقاعدة ذهبية صاغها ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران". فمهما بلغت القوة الغاشمة من عتوٍّ تقني أو عسكري، فإنها بمجرد أن تتخلى عن الأخلاق وتنقلب من العدل إلى الجور، تبدأ في زراعة بذور فنائها من الداخل. وما نراه اليوم من غطرسةٍ بلا أخلاق، هو في الحقيقة علامة "الهرم" التي تسبق سقوط الإمبراطوريات، تماماً كما سقطت من قبلها قوى ظنت أنها ملكت الأبد.
فهذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها الأعداء لكسر شوكة المسلمين ومحوهم من الوجود لو استطاعوا. فعلها يهود بني النضير حين جابوا الجزيرة يحرضون القبائل، حتى جمعوا جيشاً لم تر له العرب مثيلاً. وجاؤوا من فوقنا ومن أسفل منا، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن البعض بالله الظنون، وتحدث المنافقون عن “النهاية”. لكن النهاية لم تكن كما أرادوا. انفضّت الأحزاب، وقال النبي ﷺ كلمته الخالدة: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». ومن قلب الحصار وُلد التحول، وانتقلت الأمة من الدفاع إلى المبادرة.
ثم دارت القرون، وجاءت الحروب الصليبية. وسقطت القدس سنة 492 هـ، ودخلها الصليبيون دخولاً دامياً، وظن كثيرون أن صفحة المدينة المقدسة قد طُويت، وأن الهيبة قد انكسرت إلى غير رجعة. بدا المشهد وكأنه أفول طويل. لكن تحت رماد الفرقة كانت تتشكل ملامح نهضة جديدة، حتى قيّض الله للأمة صلاح الدين، فوحد الكلمة بعد شتات، وأعاد بناء المعنى قبل أن يسترد الأرض. وفي حطين تبدل وجه التاريخ، وعادت القدس إلى حضنها، فعلم الناس أن السقوط قد يكون طوراً عابراً في مسيرة أمة لا تموت.
وحين سقطت بغداد سنة 656 هـ، وقُتل الخليفة، واسودّ ماء دجلة بمداد الكتب، خُيّل لكثيرين أن الإسلام قد طُوي مع تلك الصفحات. ودوّن بعض المؤرخين بمرارة: “هذه نهاية الإسلام”. غير أن التاريخ كان يخبئ فصلاً آخر؛ فما هي إلا سنتان حتى قامت “عين جالوت”، فوقف أبناء الإسلام في وجه أعتى قوة في زمانهم، وتكسّرت على أعتابهم موجة الغزو. ثم ما لبث أولئك المغول أن دخل كثير منهم في الإسلام، فتحوّل السيف الذي جاء ليقتلع الحضارة إلى قوةٍ تحتمي بها الحضارة نفسها.
وحين ظن البرتغاليون أنهم خنقوا سواحل الخليج العربي وسيطروا على طرق التجارة العالمية بظلمهم وعربدتهم، انبعثت من قلب عُمان قوة "اليعاربة" الصادقة، فحرروا الثغور وطاردوا أساطيل الاستعمار من المحيط إلى الخليج، مؤكدين أن الأمة التي يقودها رجال يجمعون بين التقوى والبأس لا يمكن أن تُسلم قيادها لغازٍ، ولا يطول ليلها مهما ادلهمت الخطوب.
ثم أقبلت عصور الاستعمار الغربي، فتقاسمت القوى الكبرى بلاد المسلمين، ورفعت أعلامها فوق عواصمهم، وظن كثيرون أن زمن السيادة قد انقضى إلى الأبد. امتدت الهيمنة عقوداً طويلة، وأثقلت الأرض بقيودها، لكن جذوة الهوية لم تنطفئ. ما لبثت حركات التحرر أن قامت من كل صوب، وانحسرت موجة الاحتلال شيئاً فشيئاً، حتى انكشفت الغمة، وبقيت الأمة رغم ما أصابها من تمزق وضعف، شاهدةً أن السيطرة قد تطول، لكنها لا تخلع الروح من جسد حي.
ولا تذهب بعيداً؛ فهذه أفغانستان تعاقبت عليها قوى كبرى: البريطانيون، ثم السوفييت، ثم الولايات المتحدة وحلفاؤها. ظن كل طرف أنه سيطوي صفحتها، لكنها كانت في كل مرة تعود إلى المشهد من جديد، بما لها وما عليها، شاهدةً أن كسر الإرادة ليس أمراً يسيراً كما يُتصوَّر.
إن ما نمر به اليوم هو "تمحيص" تقتضيه سنة التدافع، فلا نصر بلا ابتلاء، ولا تمكين بلا اختبار لصدق النوايا وتماسك الصفوف، كما قال الله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
ألا ما أشبه هذه الأمة بالشجرة الضاربة الجذور. تُقلَّم تقليماً جائراً، فتبدو لعين الجاهل وكأنها لن تُورق بعد ذلك. ثم يأتي الربيع، فتعود أكثف خضرة وأينع ثمراً؛ لأن التقليم عمّق الجذور وأيقظ ما كان كامناً في العروق. وهكذا شأن أمة الإسلام مع النوازل؛ كل محنةٍ تُنزل بها تدفعها، إن أحسنت الفهم، إلى مراجعةٍ أصدق وقوةٍ أرسخ.
تفككت الدولة بالردة بعد النبي ﷺ، فكانت صحوة الصدّيق التي أطلقت أعظم الفتوحات. وسقطت القدس ثم عادت، وسقطت بغداد ثم نهضت الأمة من حولها، وضاعت الأندلس من يد المسلمين، فإذا بالإسلام يتمدد في أفريقيا وأقاصي آسيا، وكأن الجغرافيا نفسها تعيد توزيع الضوء حين يخبو في موضع ليشتعل في موضع آخر.
إن سنة التدافع ليست خللاً في المسار، بل هي جزء من النظام الذي يحكم حركة التاريخ. يقول ابن خلدون: “الأمة التي تقوم على صبغة دينية، تذوب فيها الأحقاد وتتحد الوجهة، فلا يقف أمامها شيء”. ويعترف المؤرخ البريطاني توينبي قائلاً: “الحضارة الإسلامية تعرضت لما يمحو أي حضارة أخرى، لكنها ظلت تحتفظ بجوهرها الحي”.
فإن رأيت الأحزاب تتجمع، فتذكر الخندق. وإن طال احتلال أو سقطت مدينة مقدسة، فتذكر القدس وحطين. وإن تفرقت الصفوف، فتذكر يوم الردة. وإن بدا الطوفان كاسحاً، فتذكر عين جالوت. وإن رأيت أساطيل الغزاة تجول فتذكر اليعاربة. إن هذه الأمة التي عبرت الصليبيين والتتار وعصور الاستعمار لا تموت بتآمر المتآمرين.
نعم، قد تمرض، تُجرح، تنزف… لكنها لا تموت. لأن هذا الدين ليس ملكاً لبشر يزول بزوالهم، بل هو كلمة الله الباقية.
ثم إن ميزان النصر والهزيمة في التصور الإسلامي ليس هو الميزان الضيق الذي يقيس النتائج بحساب الأرض والسلاح والخسائر المادية فقط. فهذه مقاييس لحظةٍ من التاريخ، لا لمصير رسالة. إن معيار النصر في ميزان الإسلام هو بقاء هذا الدين حياً في الناس، وانتشاره في القلوب والعقول، واتساع دائرته في الأرض. فإذا استمر الإسلام ينتشر ويكسب أتباعاً جدداً، ويتحول من فكرةٍ محاصَرة إلى عقيدةٍ تدخل بيوتاً جديدة كل يوم، فإن الأمة في ميزان الرسالة منتصرة، مهما بلغت التضحيات ومهما اشتدت المحن. والتاريخ يشهد أن كثيراً من أعظم موجات انتشار الإسلام جاءت بعد أوقات الشدة والصراع، حتى أصبح الخصوم أنفسهم بعد حين جزءاً من هذه الأمة. والواقع المعاصر لا يخرج عن هذه السنة؛ فمع كل جولة من جولات الصراع يتسع حضور الإسلام في العالم، وتزداد الأسئلة عنه، ويقبل عليه الناس باحثين عن معناه وهدايته، وكأن الدماء والابتلاءات تتحول – بتدبير الله – إلى جسورٍ تعبر عليها الرسالة إلى آفاق أوسع.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾
﴿وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار﴾
﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾
﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾
فاثبت، وأحسن، وتوكّل. فإن الفجر لا يلغيه طول الليل.
ع ح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق