الخميس، 15 يناير 2026

فقه الفتح على الإمام

فقه الفتح على الإمام

(جمع للأدلة وبيان للضوابط)

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الصلاة من أجلِّ العبادات وأعظمها نظاماً، وقد شرعها الله تعالى على وجه يحفظ هيبتها ويرعى خشوعها وسكينة قلوب المصلين. ومن أصولها المقررة اتباع الإمام والاستماع لقراءته، وألا يتقدم عليه أحد ولا يشوش عليه بما يُخِلُّ بفكره ويذهب بقلبه.

والفتح على الإمام مسألة تتردد بين أصلين: أصل الإنصات المأمور به، وأصل التعاون على البر والإصلاح. فإذا لم يُضبط بضوابط شرعية أدى إلى مفاسد: من تشويش على الإمام وإرباكه، وهو منافٍ للسكينة المأمور بها، ومن ذهاب الهيبة والوقار اللذين هما من جملة مقاصد الجماعة، ومن انقطاع الخشوع وانشغال القلوب.

وهذا البحث يجمع أدلة المسألة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة وأقوال أهل العلم، مع بيان ضوابط الفتح ومحله وكيفيته، مرتبة حسب موضوعاتها.


الباب الأول: الأصل في المأموم الإنصات

الدليل من الكتاب العزيز

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204(

روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: «يعني في الصلاة المفروضة». وكذا روي عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي. والأمر بالإنصات عام، فلا يخرج عنه إلا بدليل.

الدليل من السنة النبوية

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا».

تنبيه: زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا» صححها جماعة من الحفاظ منهم: مسلم وأبو حاتم الرازي والطبري وابن حجر العسقلاني. وأخرجها أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأسانيد يقوِّي بعضها بعضاً. قال النووي رحمه الله: «هذا الحديث صححه مسلم ولا عبرة بتضعيف من ضعفه».

النهي عن منازعة الإمام في القراءة

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة، في الصلوات، حين سمعوا ذلك منه.

وأخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد من طريق الزهري عن ابن أُكَيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. قال الترمذي: «حديث حسن»، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان.

وجه الدلالة:

في الحديث كراهة منازعة الإمام في القراءة، والمنازعة هنا هي التشويش عليه بالقراءة معه. والفتح يدخل في المنازعة إذا لم يكن على الوجه المشروع وكان من غير حاجة معتبرة.

ووجه القياس: إذا كانت القراءة مع الإمام منازعة له توجب التشويش، فمن باب أولى أن يكون القفز من كل حدب وصوب في صفوف الصلاة للفتح على الإمام وتصحيح قراءته من غير حاجة ماسة منازعة أشد وتشويشاً أعظم؛ لأنه يُسبب للإمام الربكة ويُفقد الصلاة وقارها وخشوعها، ويشغل قلوب المأمومين عن الخشوع، وقد يؤثر على هيبة الإمام أمام المصلين.


الباب الثاني: مشروعية الفتح على الإمام عند الحاجة

الدليل من السنة

روى أبو داود عن المسور بن يزيد المالكي رضي الله عنه قال: «شهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركتَ آية كذا وكذا. قال: فهلَّا أذكرتَنيها».

وجه الدلالة: أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي على تنبيهه، بل عاتبه لماذا لم يذكِّره، فدل على مشروعية الفتح على الإمام عند الحاجة.

أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه

روى ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «إذا استطعمك الإمام فأطعِمه». قال الراوي: قلت لأبي عبد الرحمن: ما استطعام الإمام؟ قال: «إذا سكت».

وجه الدلالة: الفتح مشروع عند سكوت الإمام طالباً للتلقين، لا عند تردده في القراءة راجياً أن ينفتح عليه.

فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه

روى أحمد في مسنده: أن رجلاً كان يصلي عند المقام وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهذا يدل على مشروعية الفتح عند الحاجة.


الباب الثالث: ضوابط الفتح على الإمام

الضابط الأول: التفريق بين الفاتحة وغيرها

الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فإذا أخطأ الإمام فيها خطأً يُبطلها أو أُرتج عليه وجب الفتح عليه؛ لتوقف صحة الصلاة على قراءتها.

قال النووي رحمه الله: «وأما الأحكام ففيه وجوب قراءة الفاتحة وأنها متعينة لا يجزئ غيرها إلا لعاجز عنها، وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم».

وأما ما بعد الفاتحة من القراءة فهي سنة عند الجمهور، فالفتح فيها ليس بواجب إلا إذا كان الخطأ مغيراً للمعنى تغييراً فاحشاً.

الضابط الثاني: الفتح عند الخطأ المفسد للمعنى

اتفق العلماء على أن اللحن الذي يُغيِّر المعنى تغييراً فاحشاً يجب التنبيه عليه؛ كالذي يُحوِّل الحلال حراماً، أو العذاب نعيماً، أو ينفي ما أثبته الله، أو يُثبت ما نفاه، أو يخلط آية رحمة بآية عذاب. فإن القراءة حينئذ تصير كلاماً غير قرآن.

قال الباجي رحمه الله: «والفتح على الإمام إنما يكون إذا أُرتج عليه وإذا غيَّر قراءته؛ فأما من الإرتاج عليه فهو إذا وقف ينتظر التلقين، وأما إذا غيَّر القراءة فلا يُفتح إذا خرج من سورة إلى سورة أو من آية إلى أخرى، ما لم يخلط آية رحمة بآية عذاب، أو يغير تغييراً يقتضي كفراً؛ فإنه يُنبَّه على الصواب».

وقال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله في معارج الآمال - وهو نص نفيس يضبط المسألة بدقة متناهية -:

«ولا يُفتح عليه ما دام يتردد لطلب القراءة، ولا يُفتح عليه في غير الفاتحة إلا إذا أخطأ خطأً يغير المعنى، أو يُفسد الصلاة».

وهذا القول يؤصل لقاعدة جامعة: (الانتظار أولاً، ثم النظر في نوع الخطأ، فإن لم يكن مفسداً للمعنى فلا حاجة للتدخل).

أما اللحن الخفيف الذي لا يغير المعنى كالخطأ في حركة الإعراب مع بقاء اللفظ سليماً، فلا يجب الفتح عليه؛ لأنه لا يضر المعنى، والفتح حينئذٍ قد يكون تشويشاً من غير حاجة معتبرة.

الضابط الثالث: عدم المبادرة بالفتح

لا يُشرع الفتح لمجرد توقف الإمام أو تردده إذا كان ذلك يسيراً؛ فإن التوقف قد يكون للتنفس أو للتفكر، وقد ينفتح عليه من تلقاء نفسه.

قال النووي رحمه الله نقلاً عن أصحاب الشافعي: «ليست المسألة على قولين بل على حالين؛ فقوله: يُلقنه، أراد إذا استطعمه التلقين بحيث سكت ولم ينطق بشيء. وقوله: لا يُلقنه، أراد ما دام يردد الكلام ويرجو أن ينفتح عليه، فيُترك حتى ينفتح عليه، فإن لم ينفتح لُقِّن».

وقال السرخسي رحمه الله: «لا ينبغي أن يعجل المقتدي بالفتح على الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يُحوِجه إلى ذلك، بل يركع إن كان قد قرأ ما تصح به الصلاة، أو ينتقل إلى آية أخرى أو سورة أخرى».

الضابط الرابع: استصحاب الإخلاص عند الفتح

على المأموم إذا فتح على الإمام أن يستصحب الإخلاص لله تعالى في فتحه، وأن يقصد به وجه الله والنصيحة لإمامه وإخوانه المصلين، لا إظهار العلم والتفوق على الإمام؛ فإن ذلك من مداخل العُجب والرياء التي تُحبط العمل.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5)

فإذا دخل الفاتحَ العجبُ بنفسه واستشعار التفوق على الإمام، أو قصد إظهار علمه أمام الناس، أضاع عمله وكان فتحه وبالاً عليه. والواجب أن يكون قصده محض النصيحة والتعاون على البر، مع التواضع والاستحياء من الله أن يُري الناس ما ليس في قلبه.


الباب الرابع: الركوع بدل انتظار الفتح

القاعدة: إذا حصل المقصود من القراءة سقط المطلوب بالكمال.

إذا قرأ الإمام الفاتحة وقرأ شيئاً من القرآن يصح به المقدار المستحب ثم نسي أو توقف، فالأولى أن يركع؛ لأن القراءة المستحبة قد حصلت، والانتظار يُفضي إلى التشويش واللغط.

قال ابن عابدين رحمه الله: «يُكره للمقتدي أن يعجل بفتح، ويُكره للإمام أن يُلجئه إليه بأن يسكت بعد الحصر أو يكرر الآية، بل يركع إن كان قد قرأ ما تصح به الصلاة، أو ينتقل إلى آية أخرى ليس في وصلها ما يُفسد الصلاة، أو ينتقل إلى سورة أخرى».


الباب الخامس: من يفتح على الإمام وكيفيته

تقديم أولي العقول والرزانة

روى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».

وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم أيضاً: «لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم - ثلاثاً - وإياكم وهيشات الأسواق».

وجه الدلالة: أولو الأحلام والنُّهى هم أهل العقل والرزانة والعلم، وهم أولى بالتصدر للإعانة على إمامة الصلاة؛ لأنهم يعقلون عن الإمام فعله، ولأنه ربما احتاج إليهم في تذكيره ما أخل به، أو في استنابتهم إن نابه أمر.

وعلى هذا: إذا نسي الإمام يفتح عليه من يكون قريباً منه من أهل العلم والرزانة، بصوت هادئ يسمعه الإمام دون صراخ. أما تشويش البعيدين فهو تعدٍّ على حق القريبين، وإفساد للخشوع.

كيفية الفتح

يكون الفتح بتلاوة الآية التي وقف عندها الإمام أو أخطأ فيها، بصوت يسمعه الإمام دون إزعاج للمصلين. والأولى أن يقصد الفاتح بقراءته التلاوة مع الإرشاد، لا الإرشاد وحده؛ ليكون آمناً من إفساد صلاته.


الخاتمة: خلاصة الضوابط

بناء على ما تقدم من الأدلة وأقوال أهل العلم، نلخص الضوابط فيما يلي:

1.     الأصل في المأموم الإنصات لقراءة إمامه، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لحاجة معتبرة شرعاً.

2.     يجب الفتح في الفاتحة إذا أُرتج على الإمام أو أخطأ فيها؛ لتوقف صحة الصلاة عليها.

3.     يُشرع الفتح في غير الفاتحة عند الخطأ المفسد للمعنى الذي يُغيِّر حكماً أو يقلب مدلول الآية.

4.     لا يُشرع الفتح عند اللحن الخفيف الذي لا يُغيِّر المعنى، أو التوقف اليسير الذي يُرجى أن ينفتح فيه على الإمام.

5.     لا يُفتح على الإمام ما دام متردداً في القراءة، بل يُنتظر حتى يسكت طالباً للفتح.

6.     الركوع أولى من انتظار الفتح إذا نسي الإمام ما بعد الفاتحة وقد قرأ ما تصح به الصلاة، فالركوع أولى من انتظار الفتح أو إحواج المأمومين إليه.

7.     يفتح من يليه من أهل الرزانة يفتح على الإمام من يليه من أهل الرزانة والعلم، ولا يتقدم من في الصفوف الخلفية مع وجود من هو أولى منه.

8.     الفتح بصوت هادئ يكون الفتح بصوت هادئ يسمعه الإمام دون صراخ أو تشويش على المصلين.

9.     التجاوز عن سهو الإمام أولى إذا كان الخطأ يسيراً لا يُغيِّر المعنى؛ حفظاً لخشوع الصلاة.

10.التيقن من الخطأ قبل الفتح على المأموم أن يتيقن من خطأ الإمام قبل الفتح، ولا يجوز له الفتح بالظن، خاصة في الآيات المتشابهة، واختلاف القراءات القرآنية الصحيحة.

11.استصحاب الإخلاص على المأموم أن يستصحب الإخلاص عند الفتح على الإمام، فيقصد به وجه الله والنصيحة، لا إظهار العلم والتفوق؛ حتى لا يدخله العجب بنفسه فيضيع عمله.

وبهذه الضوابط تجتمع الكلمة، وتُصان الصلاة عن الفوضى، ويُحفظ مقصود الشارع في النظام والوقار والخشوع. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


توثيق المصادر

الأحاديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، مسند أحمد.

الآثار: مصنف ابن أبي شيبة، السنن الكبرى للبيهقي.

التفسير: تفسير الطبري (جامع البيان).

الفقه: المبسوط للسرخسي، رد المحتار لابن عابدين، المنتقى للباجي، المجموع للنووي، كشاف القناع للبهوتي، مطالب أولي النهى، معارج الآمال للسالمي.


والحمد لله رب العالمين

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شرح مطلع المدحة النبوية

  البيت الأول- الصفاء الكوني: النص : صَفا بِكَ عَيشٌ حيثُما أنتَ نازلُ | وتَحْلو وإنْ طالتْ إليكَ المَراحلُ تفتتح القصيدة مطلعها...