السبت، 9 مايو 2020

حفني ناصف يرثي عبدالله فكري



من غرر المراثي قصيدة القاضي حفني ناصف ت1919 في الأديب عبدالله فكري باشا ت 1889

1 ليدّعِ المدعون العلم والأدبا
فقد تغيّب عبدُ الله واحتجبا
2 ولينتسب أدعياءُ الفضل كيف قضت
آراؤهم إذ قضى من يحفظ النسبا
3 وليفخر اليوم قوم باليراع ولا
خوفٌ عليهم فمن يخشونه ذهبا
4 ولْيرق مَن شاء أعوادَ المنابرِ إذ
مات الذي يتقيه كل من خطبا
5 لو عاش لم يطرق الأسماعَ ذكرهمو
في طلعة الشمس من ذا يبصر الشهبا
6 لا تعترض دولة الآداب إن وسمت
بالرأس من كان في أيامه ذنبا
7 كل الأنام ليوث بَعْدَ عنترةٍ
وبعد عبلةَ كل العالمين ظِبا
8 فليْسمُ من شاء بالإنشاء لا عجبٌ
مضى الذي كان من آياتهِ عجبا
9 طود من الفضل مِن بعد الرسوخٍ هوى
وكوكبُ بعد أن أبدى الهدى غربا
10 وخِضرم غاض لما فاض زاخرُه
وضامر أدرك الغايات ثم كبا
11 وشامخ من مباني العلمِ قوضهُ
صرفُ الزمانِ فأمسى في الهواءِ هَبا
12 وجنة عصفت ريحُ المنونِ بها
وظافر ظُفر البلوى به نشبا
13 ما للعلا انشق في آفاقها قمر
وهول ساعتها ما باله اقتربا
14 وما لأبكار أفكار الهدى اختبأت
وما لمصباح مشكاة الفلاح خبا
15 وما لإحكام أحكام البيان قضى
نحباً وتحبيرُ تحريراته انتحبا
16 وما ليانع أفنان الفنون ذوى
والعلم كم علَمٌ في جوه انقلبا
17 وما لجارية الأقلام قد وقفت
وما لأطواقها منشقةً غضبا
18 وللمحابر مما تشتكي لبست
ثوب الحداد وما في نهرها نضبا
19 وللدفاتر صكت وجهها جزعاً
وللمتارب يشكو كفها التَربا
20 وما لرقة حسن الخُلق منشدة
رُدوا على جفني النوم الذي سلبا
21 فهل عرا الكون خطب غير منتظر.
يستغرب الأمر من لا يعرف السببا
22 أجل فقد مات عبد الله واأسفا
وأوحشت مصرُ من فكري فوا حربا
23 فكل نفس لمنعاه شكت وبكت
وكل فكرٍ بفكري ماج واضطربا
24 محافل العلم من عهد الصبا شغفٌ
بنشره كلما مرّ الزمانُ صبا
25 باللطفِ واللين والدين الرصين له
مقامُ سبق عليه قط ما غُلبا
26 ما روَّح النفس بالدنيا مفاكهة
إلا قضى من فروض الدين ما وجبا
27 قضى الحياة ونصرُ الحق ديدنه
لا ينثني رَهباً عنه ولا رَغبَا
28 وكان مُغرىً بفعل الخير يحسب في
إسدائه أنه قد أدرك الأربا
29 إذا ادلهمّت دياجي المشكلات له
رأيٌ يسهّلُ منها كلَّ ما صعبا
30 أيّ القوافي إذا رام القريض عصت
وأيّ مستغرب عن فكره حجبا
31وأيّ حُسن عداه نثرُه زمناً
وأيّ سحر دعاه شعره فأبى
32 يستعذب الصدق في أشعاره أبداً
وإن يكن عذبُ أشعارِ الورى كذبا
33 حلاوة ما على من ذاقها حرج
في دهره أن يعاف الشهد والضربا
34 ورقّة تخلب الألباب لو عرضت
على الندامى لصدّوا الراح والحببا
35 يستسهل المرء من بُعد مناصبَه
لها وتوسعه إن رامها نصَبا
36 مواهب تُرجع الآمالَ عاجزةً
عن دركهن فسبحان الذي وهبا
37 كم كان يجرف بالآداب سامعَه
فلا يملّ ولو أصغى له حقبا
38 تحوي عباراته ما شاء من نكتٍ
بديعة تبعث الإعجاب والطربا
39 فوائدٌ كلها في بابها طرف
في جنبها تستقلّ الدرّ الذهبا
40 إن لم يسُرَّ بني الإفرنج منطقُه
فالفرس قد سرّها والترك والعربا
41 وما التعقل موقوفٌ على لغة
ولا الغرائب مخصوص بها الغُربا
42 هذي مآثره الغراء شاهدة
بأنه خير مَن وشّى ومن كتبا
43 جاب الحجاز وأرض الروم مرتحلاً
شرقاً وغرباً يسير الوخد والخببا
44 فالشرق يبحث فيه عن عجائبه
والغرب يعجم منه النبع والغرَبا
45 وبان في مجمع استكهلمَ أنّ له
شأناً إذا قام حرب البحث وانتشبا
46 وابيضّ ما بين أفواج الوفود لنا
وجهٌ وصار لنا بين الرجال نبا
47 جزاه أوسكارُ تقديرا نشانَ علا
وليس يُجزَى امرؤ إلا بما كسبا
48 لا كان عيدٌ رأينا صفوه كدراً
بفقده وانثنت راحاته تَعبا
49 ولا غداةٌ أطارت نعيَه فغدا
كل امرىء بدم الأجفانِ مختضبا
50 أودى فأية نفس لم تذب حَزناً
وأيّ طرف لهذا الرزء ما انسكبا
51 سارت جنازته والعلمُ في جزع
والفضل يندبه في ضمن من ندبا
52 يحقّ أنْ متون العلم تحمله
فهو الذي ما شكا في حمله وصبا
53 صبراً بنيه فهذا الدهر سنتهُ
أن لا يحس بأن يُلقى سواه أبا
54 لبى دعاء شعوبٍ والكريم يرى
حقًّا عليه قِرى الداعي بما طلبا
55 في جيرة الله في دار النعيم ومن
يحلُل بها بلغ الغايات أو كربا




السبت، 22 فبراير 2020

كلام في المال


كلام في المال

‫السبب الأبرز لصراعات البشر هو المال، وأبغض الناس عند الناس من يسلبهم ما في أيديهم، وأنقاهم من يتعفف عما في أيديهم ولا أحب إليهم منه سوى الذي يعطيهم ما في يده، فلا غرو أن تكون من أول كلمات الرسل للناس ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾، وأن تركز الرسالات السماوية كثيرا على أحكام المال وتداوله حتى كان المال إحدى الكليات الخمس التي أتى الدين لحفظها بل هي الضرورية الوحيدة المنفصلة عن الشخص انفصالاً مادياً تاما من بين الخمس (الدين والنفس والمال والعرض والعقل)، وكانت الزكاة ركنا من أركان الدين، واشتغل القرآن بالحض على الزكاة والصدقة وحفظ مال اليتيم وأداء الحقوق وفصّل الأحكام بما لم يفصّل في غيره حتى كانت أطول آية في القرآن والتي تليها تتحدث عن تشريعات استدانة المال فقط، وأعلن الله حرباً من الله ورسوله على الربا بأسلوب لم يعلنه على غيره إذ خاطب بذلك المؤمنين خاصة.

ثم تأمل العقوبات وكيف شدد الإسلام في حدّ السرقة ولو كانت بما يعادل قيمة بيضة بينما تجده يحرم الخمر لكنه يسكت عن الحد فيها وهي أم الخبائث. وكيف جعل حد الزنا لغير المحصن 100جلدة وتبقى للمحدود أعضاؤه، مع تشدد عظيم في الشهادة عليه بأربعة شهداء لإثبات الجرم وبشروط توصل إقامة الحد مبلغ الاستحالة ويكفي من ذلك أن الشاهد مطالب بداهة هنا بأن لا يشهد ولا ينظر إلى العورات فإذا ما قصرت شهادة أحد الشهود عن ما يقام به الحد فيقام الحد على بقية الشهود لا على المشهود عليه وذلك بجلدهم 80 جلدة وإسقاط أهليتهم للشهادة مستقبلا، وجعل إسقاط حد الزنا سهلا على ولي الأمر وشجّع الزاني على التطهر بالتوبة سرا وأن يستتر بستر الله، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد ماعزاً الأسلمي مراراً بعد أن اعترف على نفسه إلى أن أصر المعترف وطلب تطبيق الحد على نفسه، بينما في السرقة غضب الرسول ﷺ غضبا شديدا على أسامة وهو من أحب الناس إليه عندما تدخّل لإسقاط الحد وقال له: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها.

إن إقامة العدل والميزان أساس لحياة الأمم، ومن أول ذلك أمر المال، إذ لا يفسد المجتمع بشيء مثل الفساد فيه، وأما السرقة من المال العام فإنها تتجاوز خطر السرقة المعتاد وتدخل في حكم الإفساد في الأرض، لأنها إشعال للفتنة التي هي أخطر من القتل ودمار للبلدان، ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ ولعل من أسباب التهوين من خطره البارز أن بعض الفقه نشأ تحت إمرة أهل الفساد فلا ينبغي أن يجعل ديناً لا يراجع، وإنما ينبغي إنفاذ أقسى العقوبات الممكنة بلا هوادة، فهذا استئصال للسرطان من جسد المجتمع.

إن الله جعلنا مجرد مستخلفين في المال فينبغي أن نقوم فيه بالعدل والميزان وإلا هلكنا.

هذا والله من وراء القصد

عبدالله بن حمدان


الاثنين، 17 فبراير 2020

معلّقة كنيسة العظام في البرتغال



معلّقة كنيسة العظام في البرتغال

أيها العابرُ في هذا الفلكْ
ما الذي بالله يا ذا أعجلكْ؟
قف تمهّلْ.. لا تتابع سفركْ
لك عندي خبرٌ، 
أعظمُ مما شغَلكْ
وهو أزكى فكرةٍ 
تُرْجِعُ فيها نظرَكْ
.
هل تذكّرت جموعا عبرتْ
ومضت في الكون حيناً و مضت؟
فستقضي مثلما الناسُ قَضَتْ
لو نظرنا قرب هذا 
لاختفى الكبْر تماماً و خَفَتْ
.

شاغلاتُ الفكرِ في الدنيا كثيرْ
ما نصيبُ الموت منها يا بصيرْ
قف تأملْ كيف تمضي للمصيرْ
كلما فكّرت أيقظت الضميرْ
.

إن رأيت الموت يمشي في الدروبْ
قف وراقبْهُ عسى تمحى الذنوبْ
ثم سِر مهلاً على درب الخطوبْ
كلما أبطأتَ زادت سرعتُك

 أنطونيو دا أسينساو تيليس + ع ح 

Aonde vais, caminhante, acelerado?  
Pára…não prossigas mais avante;  
Negócio, não tens mais importante,  
Do que este, à tua vista apresentado.  
Recorda quantos desta vida tem passado, 
Reflecte em que terás fim semelhante,  
Que para meditar causa é bastante  
Terem todos mais nisto parado.  
Pondera, que influído d’essa sorte,  
Entre negociações do mundo tantas,  
Tão pouco consideras na morte;  
Porém, se os olhos aqui levantas,  
Pára…porque em negócio deste porte,  
Quanto mais tu parares, mais adiantas.

Padre António da Ascensão Teles 

السبت، 8 فبراير 2020

كلام في فضل الشعر على سائر الآداب.



#كلام_في فضل الشعر على سائر الآداب.

الشعر أصعب أنماط الكتابة وأسلسها. نمط فضله على اللغة أعظم من فضلها عليه، فلولاه لكانت أسيرة الرتابة خشنة الملمس فحررها ورققها لتطير أغنية في عنان السماء مرقِّصاً أحرفَها، باعثاً مواتَها، حافظاً كيانَها، مجدداً شبابَها، مالئاً كلماتِها بالمعاني والإيحاءات إلى درجة اختصام الناس جُرَّاها، بل يكاد الشعر أن يكون لغة مستقلة بثقافتها ورمزيتها وكناياتها وتوظيفها المتجدد للألفاظ، لغةً يستكشف بها الإنسان آماله وآلامَه وانفعالاتِه، ويمرر بها ما يصعب سرده وأن يحتويه بذات الرقي أسلوب أدبي آخر، فيستطيع الإنسان عبره الغناء بجهله وغضبه وإحباطه وضعفه وانفعالاته وعواطفه المتفجرة فيُحترم ويجلب التعاطف ويجعل الناس ينظرون إلى القضايا من زاويته برغبة وسرور إلى درجة حفظهم لألفاظه عَبر العصور وترنمهم بها من غير تغيير لمعانيه أو مبانيه، بينما يندر أن يبقى كلام سواه غير محرّف. 

الشعر فن تجسيد الجمال بصورة أوسع من ريشة الرسام وأعمق من عدسة المصور وأحلى من حبكة الراوي. وهو الصوت الصدّاح حتى للفكر الصامت والعقل الباطن، وأمام موسيقاه تخفت كل موسيقى، ولولا ألفاظه لبقيت الموسيقى خرساء هلامية. وما من شيء نقل قَصص الماضين وخلّد أحداث التاريخ وعِبَرِه، وبأسلوب رومانسي، كالشعر، ولهذا ما من بلاط ملك إلا وللشعراء فيه مكانة، ولا يمضي سيف لمعركة إلا وقلم الشاعر قرينه،  ولولا شعر المهلهل لنُسي كليب، ولولا مالك بن الريب لنُسي سعيد بن عثمان وحمْلته، ولولا المتنبي لكان سيف الدولة مجرد "علي بن حمدان" حال كثير ممن سبقه ولحقه من الزعماء. إنّ فضل الشعر باختصار هو ذلك الذي قال عنه الفاروق لأبناء هرم بن سنان عن شعر زهير: لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

فلا غرو أن يكون الشعر أقدم الفنون الأدبية المأثورة في كل الأمم بلا منازع، طريّاً فوّاح الشذى رغم تقلبات الدهر واختلاف الأذواق والعصور؛ فأقدم وثيقة أدبية باقية على الإطلاق هي شعر سومري للأميرة إنخدوانا ابنة الملك سرجون الآكدي (٢٦٠٠ ق م).
‫وأقدم أدب مصري هي ترانيم شعرية اسمها كتاب الموتى (٢٤٠٠ ق م)
‫وأقدم ذاكرة هندية هي ترانيم شعرية اسمها كتاب الرجفيدا (١٦٠٠ ق م).
‫وأقدم ذاكرة صينية هي شعر شيجين واسمها كتاب الأغاني (١٠٠٠ ق م).
‫وأقدم ذاكرة يونانية هي أشعار هوميروس الذي تنسب إليه الإلياذة والأوديسة (٨٥٠ ق م).
‫وأقدم ذاكرة لاتينية هي أشعار الملحمي لوسيوس ليفيوس أندرونيكوس وترجمته للإلياذة والأوديسة (٢٠٠ ق م).
‫وأقدم ذاكرة عربية بلا منازع هي الشعر الجاهلي.

ولا شك أنه كان لهذه الأمم من الفنون الأدبية الكثير لكنها لم تقاوم رياح الزمن بخلاف الشعر.

هذا بالنسبة لبقاء الشعر في الأمم، أما على مستوى الفرد فإن للإنسان (سِنَّ تقاعد معرفي) تتراجع عنده قواه المعرفية لكي لا يعلم من بعد علم شيئا، ومن بقي عقله تبقى معارفه متحجرة في مستوى عفا عليه الزمن، لأن أسنان دواليب الفكر تتآكل تآكل المفاصل، أما ملَكة الشعر فإنها تزداد تعتقاً مع الزمن؛ لأن الشعر أساسه العواطف لا العلوم والمعارف، ولهذا تتضاعف قيمة القصيدة من لسان الجواهري وأصابعه ينفضها الشيب، ونستمتع بأحاديث الأجداد وهم ينفضون غبار الزمن عن ذكرياتهم. بينما الحديث في العلوم يحتاج إلى معاصرة وبحث وتجدد ومرونة في تقبّل المتغيّرات وهذا مخالف لسَنن المشيب.

إنّ الشعر فن مقدس يعلي شأن العاطفة الحكيمة المشبعة بالتجارب حتى تصبح عقلاً بحد ذاتها يُسلِّم لها العقل المجرّد فلا يجادلها، فإن سمعتَ:
فيا شجرَ الخابورِ ما لَك مورقاً
كأنك لم تجزعْ على ابن طريفِ
يتفاعل عقلك ايجاباً مع الفارعة ولا تسائلها عن جنون السؤال ومخالفته الحقائق الثابتة في عدم تأثر الشجر بموت الناس.

إنّ مباني الشعر لا ترتفع، وايحاءاته لا تتعمق، ومعانيه لا تزكو، وعُراه لا تتوثق إلا إذا ما خرج من محاريب الترانيم السماوية مصطلياً بنيران التجارب الحكيمة، وأمّا ما سوى ذلك فيمحوه الدهر ولو كثُر.

إن الشعر، ومنذ نشأة اللغة، ديوان البشرية الخالد، فيه وحي تجاربها، مرسومة بعمق وإيجاز وقرب من مشاعر الناس، وهو جسر ما بين حضاراتهم، وفي ألحانه طب لنفوسهم، وعَزَّ أن تجد صوتاً تحيا به الروح بعد كلام الغفَّار مثل ترانيم الأشعار، فعبره نطوّر إنسانيتنا ونعدّل أمزجتنا؛
ولولا خلال سنَّها الشعر ما درى
بناة العلا من أين تؤتى المكارم.

عبدالله بن حمدان


الاثنين، 20 يناير 2020

هارون عليه وسلم وموقفه من عبادة العجل


جواب هل كان هارون عليه السلام يتوسع في التقية ويعبد بنو إسرائيل العجل على مرأى منه ومسمع فلا يغيّر عليهم؟ (قول جاء ببعض كتب التفسير)

تصرف نبي الله هارون مع بني إسرائيل بعد عبادتهم العجل هو التصرف الحكيم، فهو:

أولاً: أنكر عليهم فعلهم ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾ وليس بعد إنكار النبي متمسك لأحد بعبادة العجل.

ثانياً: وصل بهم التعنت إلى استضعافه ومحاولة قتله ﴿قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾.

ثالثاً: مسألة عقاب الفئة الضالة تركها النبي الحكيم للقيادة العليا، وهم يغذّون السير خلف موسى ﴿قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى﴾ واللقاء حائن، لأن صناعة مجسم عجل مع زيادة صفة الخوار لا تتم بين يوم وليلة.

رابعاً: هؤلاء قوم خرجوا للتو من بيئة يعبد فيها العجل آبيس، وتماثيل هذا المعبود المصري باقية حتى اليوم، ومروا ببيئة تعبد فيها الأصنام، وطلبوا أن يجسّم لهم موسى الإله مثل تلك الأمم، الراقية في نظرهم، فرد عليهم موسى بأسلوب المربي ﴿قال إنكم قوم تجهلون؛ إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾ فالأمر معهود.

خامساً: انتظار هارون عودة موسى الرسول القائد هو المنطق الحكيم خشية زيادة الفرقة في الصف بلا قرار قيادي موحد ﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾.

 ولهذا قبل موسى اعتذار هارون وزال غضبه بعد ظهور حجة أخيه، فسأل ربه المغفرة والرحمة لهما ﴿قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾ ولا لوم على موسى في استعجاله ولا لوم على هارون في تأنيه، عليهما السلام.
عبدالله بن حمدان

الثلاثاء، 24 ديسمبر 2019

ترجمة قصيدة الجندي - روبرت بروك

الجندي

روبرت بروك


إذا متُّ فاذكرْ بين قومي بأنّه

هناك برَبعٍ أجنبيٍ ثوى الوطنْ


فثمّت طينٌ باذخُ القَدْرِ طيبٌ

خليطٌ لتلك الأرض يجثو مدى الزمن


ترابٌ نَمَتْهُ أرضُ قومي، وقوّمت

عُراه، وأغذتْهُ المعارفَ والفِطنْ


ويوماً أنالتهُ - ليعشق - زهرَها

وأهدتْهُ للمسعى الطرائقَ والمدنْ


وجسماً عليه خاتَمٌ من هوائها

وشمسٍ وأنهارٍ وَقَتْهُ من الدَرَن

...

وراقِب فؤاداً نيط عنه فسادُهُ

ليضفي لعقلِ الدهرِ خفقةَ مؤتمَن


ويُنبِتَ في صُقْعٍ من الأرضِ فكرةً

سقته بلادي مصطفاها مع اللبن


مناظرُها والصوتُ، ويك، وحُلْمُها

السعيدُ كأيامي بها دونما حَزَنْ


ولطفٌ وبسماتٌ عوالقُ صُحبتي

وسِلْمٌ ظليلٌ في قلوبهمُ سكنْ

ترجمة: عبدالله بن حمدان

The Soldier 

BY RUPERT BROOKE 

If I should die, think only this of me: 

That there’s some corner of a foreign field 

That is for ever England. There shall be 

In that rich earth a richer dust concealed; 

A dust whom England bore, shaped, made aware, 

Gave, once, her flowers to love, her ways to roam; 

A body of England’s, breathing English air, 

Washed by the rivers, blest by suns of home. 



And think, this heart, all evil shed away, 

A pulse in the eternal mind, no less 

Gives somewhere back the thoughts by England given; 

Her sights and sounds; dreams happy as her day; 

And laughter, learnt of friends; and gentleness, 

In hearts at peace, under an English heaven. 

قول على قول جميل بثينة


[أَفِق قَد أَفاقَ العاشِقونَ وَفارَقوا
الهَوى وَاِستَمَرَّت بِالرِجالِ المَرائِرُ

وَهَبها كَشَيءٍ لَم يَكُن أَو كَنازِحٍ
بِهِ الدارُ أَو مِن غَيَّبَتهُ المَقابِرُ]

جميلُ جميلٍ  بَثّ هذا بُثينةً
غَداةَ تَلظّتْ بالتجَافي المَشاعرُ

ولو كان في عصرِ التواصلِ بالهَوا
لقالَ: الهوى - واللهِ - ما فيه آخِرُ 

تُغَذّى جذورُ الشوقِ مِن كلِّ موردٍ
وتُمطِرُك الذكرى الرؤى والمصادرُ
[جميل بثينة] + ع ح


لا تُنِل سمعَك إلا صالحاً

لا تُنِل سمعَك إلا صالحاً 
‏إنّ سمعاً للأباطيلِ صَمَمْ ‏

كثرةُ الإصغاءِ يُزجي أُلفةً 
‏وقناةُ السمعِ معراجٌ لِفَمْ ‏

وانخُلِ الأقوالَ إن رُمت الهدى ‏
كم مِن التِّبْرِ حوى تُرْبُ الحِمَمْ 

‏وانظرِ الأقوالَ في أوجُهِها ‏
تُبصِرِ الأفلاكَ في داجي الظُلَمْ 

حيث آياتُ الهدى بينةٌ ‏
تتجلّى، بِدأَها للمختتَم ‏

فلسوءِ القولِ وجهٌ كالحٌ ‏
وجميلُ القولِ حلوُ المبتسَم 

‏إنّما الباطلُ قَعرٌ مُرعبٌ 
‏وصوابُ القولِ كالبدرِ الأتَمْ. 

عبدالله بن حمدان


الاثنين، 25 نوفمبر 2019

كلام في الانتحال والسرقات الأدبية




كلام في الانتحال والسرقات الأدبية

أصبح اكتشاف السرقات الأدبية اليوم أسهل للجميع، لذا سيزداد الإبلاغ الشعبي عنها وفضح فاعليها. هنا نماذج تبين الصرامة الصحية مع السرقات الأدبية في دول اشتهرت بالتقدم العلمي في هذا العصر.

1.     كان جيسون بلير نجما صاعدا في عالم الصحافة؛ مراسلًا لصحيفة نيويورك تايمز. وفي 2003 ظهر في تحقيق للصحيفة أن ٣٦ على الأقل من مقالاته الـ ٧٣ تحتوي على حالات سرقة أدبية أو تلفيقية أو سلوك خفي غير أخلاقي في النقل. أقيل بلير من صحيفة نيويورك تايمز وأصبح اسمه مرادفًا لكلمة "انتحال".

2.     كان لويد براون محرراً في صحيفة Florida Times-Union ثم ظهر في ٢٠٠٤ أن براون استخدم عبارات مسروقة في بعض مقالاته الافتتاحية. بعد التحقيق طرد براون من الصحيفة إذ تبين أن هناك ثلاث حوادث انتحال وحالات أخرى ليس لها توثيق سليم تعود إلى عام ١٩٩٦.

3.     كانت ندى بزيز مراسلة في The Bakersfield Californian وكتاباتها تركز على القضايا الصحية. كتبت مقالا في ٢٠٠٥ عن تدخين المراهقين ونقلت فيه دون توثيق مقتطفاً من قصة نشرتها سان فرانسيسكو إكزامينر عام 1995. طردت بزيز من الخدمة واختفت من عالم الصحافة.

4.     وقّعت طالبة هارفارد Kaavya Viswanathan في ٢٠٠٦ صفقة كتاب تبلغ مليون دولار، وكان عملها الأول قد قفز للتو إلى المرتبة ٣٢ على قائمة أكثر الكتب مبيعاً في نيويورك تايمز. وفجأة ظهر أنها سرقت بضع مقاطع في كتابها من مؤلفين آخرين، فألغيت الصفقة وتوارى اسم كاڤيا ڤيسواناثان من عالم النشر.

5.     كانت مورين داود كاتبة في صحيفة نيويورك تايمز، وفي ٢٠٠٩ انتحلت في منشور لها على موقع Talking Points Memo شيئاً صغيراً في حجمه وقيمته لكنه كان كافياً للذهاب بوظيفتها. فما أسكر كثيره فقليله حرام.

6.     استقال وزير الدفاع الألماني كارل تيودور تسو غوتنبرغ من منصبه سنة 2011 بعد ثبوت نقله بضع فقرات في أطروحته للدكتوراة في القانون سنة 2007 دون أن يذكر المصدر بدقة وحوّر ألفاظ بعضها. لم تشفع له كفاءته كونه من خيرة أركان حكومة ميركل، لأن الحق أحق أن يُتّبع، فألغت جامعة بيرويت الشهادة واللقب وأقيل من الحكومة وخلدت فضيحة في التاريخ باسمه "فضيحة انتحال جوتنبيرغ".

7.     استقالت وزيرة التعليم والبحوث العلمية الألمانية أنيته شافان سنة 2013 من منصبها بعد فضيحة سرقة أدبية حول رسالة علمية دافعت عنها منذ 33 سنة، بعد قرار المجلس العلمي في جامعة دوسلدورف‏ ‏تجريدها من شهادة الدكتوراة. إذ أكد المجلس تهمة الانتحال التي وجهت إليها. وكان تحقيق الكلية أثبت أنها نسخت بشكل متعمد أجزاء من الأعمال العلمية لآخرين دون أن تذكرها في رسالتها التي دافعت عنها عام 1980.


كلام في وأد البنات


كلام في وأد البنات

من المفاهيم التي ينبغي تصحيحها ربط وأد البنات بالعرب فقط. وأد البنات عادة جاهلية تمارسها مختلف الشعوب منذ فجر التأريخ إلى يومنا هذا، فمن المقرر عند علماء الأنثروبولوجيا أن وأد البنات كان شائعا في كل قارة، وتم توثيقه بين الشعوب الأصلية في أستراليا وشمال ألاسكا وجنوب آسيا، وممن وثق ذلك تشارلز داروين. ولا يزال وأد البنات يمارس حتى اليوم في الصين والهند وباكستان بقصد طلب الولد الذكر[1]. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنّ كل الأسر تمارس الوأد، بل الغالب أن تكون حالات الوأد قليلة نسبياً، لكن أخطر ما فيها قبول المجتمع للجريمة، بل وتبريره لها.

قدر الفيلسوف الاقتصادي أمارتيا سين بمقال نشره عام ١٩٩٠ في مجلة New York Review of Books أن عدد النساء في آسيا أقل بمقدار ١٠٠ مليون من المتوقع، وأن هذا العدد من النساء "المفقودات" يشير إلى جرم مروع أدى إلى زيادة وفيات النساء بشكل مخالف للطبيعة، وفنّد تبريرات ذلك بغير الوأد وما في حكمه من إهمال متعمد[2].

أما ما يشمله معنى الوأد للمرأة من تحقير مؤصل، وسلب حقوق واجبة، وحجب عن الحياة الطبيعية، وحرمان رعاية وتعليم، وما يعرف بجرائم الشرف؛ فيقتل المرأةَ بعض أرحامها بدعوى"غسل العار" ثم لا تتخذ الدول إجراءات عقابية مناسبة بحق القتلة، فهذه جاهلية تمارس اليوم حتى في المجتمعات المسلمة للأسف.

هناك نوعان من وأد النفس المحرمة متفشيان في أغلب المجتمعات اليوم؛ أولاً: وأد اللقطاء، فتقتل الأم طفلها بعد الولادة عمداً، وقد يساعدها أو ينوبها غيرها في ذلك، أو يفرضه عليها. ثانيا: إجهاض الجنين الذي نفخت فيه الروح تعمداً، هذا الإجهاض وأد. ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾.

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019

قصيدة القطرة الغيثية للشيخ خلفان بن جميّل السيابي



القطرةُ الغيثية والوسيلة الإلهية[1]

على بابِ مَنْ أَهوى يَلَذُّ لِـيَ الذُّلُ
فيا عِزَّ قَومٍ تحتَ أَعتابِهِ ذَلُّوا
أَحِبَّتَنا إنَّ الصُّدودَ مُعذِّبي
ولكنْ عَذابي مُرُّهُ فيكمُ يَحلو
أَجودُ بِنَفسي في هَواكم وإنّها
لَـمِن عِندِكمْ والفَرعُ مَرجعُهُ الأصل
فإنْ تَقبلوها فهوَ لِي غايةُ المُنى
وإلا فَوا وَيلاهُ إنْ دُفِعَ البَذل
تَقَطَّعتِ الأسبابُ إلا إليكمُ
ورَثَّتْ عُرى الآمالِ وانفَصمَ الحَبل
وقَد سُدّتِ الأبوابُ دُوني فلا أَرى
سوى بابِكم قَصداً يُحَطُّ به الرَّحل
فلا مَلجأٌ لي غيرُكمْ ومُعوّل
ولا قوةٌ إلا بِكم لي ولا حَول
لقد دفَعتني الكائناتُ بأسرِها
إليكمْ فلا وَعْرٌ يَقيني ولا سَهل
ولا فَوقُ أو تحتٌ يُلاذ ويُلتجى
به بَلْ ولا بَعدٌ سِواكم ولا قَبل
وُجودُكَ قبلَ القَبلِ والبَعدُ بَعدَهُ
فمِن ثَمَّ فيه يَنطوي البَعدُ والقَبل
وكنتَ ولا كَونٌ لأنّك أَولٌ
وما ثَمَّ سَبْقٌ أو لُحوقٌ له يَتْلو
وكَوَّنتَ كُلَّ الكائناتِ بِكُن وَما
هنالك لَفظٌ أو حروفٌ ولا شَكْل
وما غيرُك الباقي لأنَّك آخِرٌ
ويَفنى جميعُ الخَلقِ والجُزءُ والكُلُّ
تَعاليتَ عن كيفٍ وأينٍ وعن مَتى
ومالَك كُفءٌ أو نَظيرٌ ولا مِثل
تعاليتَ عن كيفٍ وكيَّفت كيفَنا
وقُدِّستَ عن أينٍ نُعوتا لمن حَلُّوا
إلهي لك الملكُ الذي لا تُحيلُه
صُروفُ الليالي والتَّقلبُ والنَّقل
إلهي لك الملكُ الذي ليس يُختشى
عليه استلابُ السالبين وإنْ جَلُّوا
إلهي لك الملكُ المؤبدُ، والبَقا الـــ
ــمسرمدُ، والعِزُّ الذي ليس يَنحَلُّ
إلهي لك الملكُ الذي ما لَه انِقضا
تَبيدُ وتَخلو الكائناتُ ولا يَخْلو
إلهي لك الخَلقُ الذي بَهَر النُّهى
جَلالاً فلم يَبلُغْ إلى كُنهِهُ عَقل
إلهي لك الخَلقُ العظيمُ، لك المجدُ الــ
ـجسيمُ، لك الأمرُ العَميمُ، لك الفَضل
إلهي لك التدبيرُ في الكونِ ما تَشا
يَكن، ولك الحُكمُ القويمُ لك العَدل
إلهي بدأتَ الخَلقَ ثم تُعيدُهُ
لِتَجزيَ كُلاً سَعيَهُ ولكي تَبلو
فمَن جاء بالحسنى ويَسَّرتَه لها
تُضاعَفْ لهُ مِنك المثوبةُ والفَضل
ومَن جاء بالعِصيانِ يَحمِل وِزرَهُ
فيا خيبةَ المسعى، وساءَ له حِمْل[2]
إلهي أنا العبدُ الذي جاء حاملاً
ذُنوباً وأوزاراً بها غَرّهُ الجهل
إلهي أنا العبدُ المسيءُ الذي جَنى
على نفسِهِ ما لا يُطاقُ له حَمْل
فإنْ لم تَداركني بعفوٍ ورحمةٍ
فمَن لي، وأنت الفيصلُ الحَكَم العَدل
إلهي أنا العبدُ الفقيرُ وإنْ أكنْ
غنياً ففقرُ العبدِ هوَّ لَهُ الأصل[3]
ومالي لا أَغدو فقيراً وبالغِنى
تَفرَّدتَ تحقيقاً وأنت له أَهل
ومالي لا أغدو غنيّاً وسيِّدي
له المُلكُ بالإطلاقِ يَعنو له الكُلُّ
إلهي أنا العبدُ الجَهولُ وكيف لا
وأَصلُ جميعِ الحادثاتِ هو الجَهل
إلهي إنّ الإختلافَ[4] الذي جَرى
به مُبرَمُ التدبيرِ حارَ له العقل[5]
وسرعةُ جَرْيان[6] المقاديرِ منك في
الوجودِ على وِفقِ المشيئةِ تَحْتَلُّ
هما مَنعا أهلَ النهى عن سكونِهمْ
إلى حالةٍ مما يَمُرُّ وما يَحلو
إلهي أنا العبدُ اللئيمُ وكُلَّما
يَليقُ بِلؤمِ العبدِ فهو له أَهل
وأنت الكريمُ المالكُ البَّرُّ ذو العَطا
يَليقُ بك الإِحسانُ والجودُ والفَضل
إلهي أنا العبدُ الضعيفُ ولم أَزلْ
ضعيفاً إلى بَعدِ الوجودِ ومِن قَبل
وقَبلَ وجودي أنت لي راحمٌ، وبي
لطيفٌ، فهَبني اللطفَ يا من له الطَّول
إلهيَ إنّ اللؤمَ للعبدِ شيمةٌ
وطبْعٌ لأنَّ العَبدَ مِن أصلِهِ رَذل
فإنْ ظهرَت مني المَساوي فإنّني
جديرٌ بها والحُكمُ مِنْك بها عَدل
وإنْ ظهرَت مني المحاسنُ فهي مِن
هباتِك فيها المنُّ لي منك والفضل
إلهيَ إنَّ النفسَ داعيةُ الهَوى
وكلُّ قبيحٍ كان فهي له أَصل
وأنت الذي حذَّرتني كيدَها فَلا
تَكلْني إلى نفسي فما لي بها حَول
إلهي أنا العبدُ الذليلُ وكيف لا
وعِزُّك مُنقادٌ له البَعضُ والكُل
وكيف يَنال الضَّيمُ والهَضمُ جانبي
وأنت نَصيري أنْ يَمرَّ بي الذُّل
وعزُّك عِزّي يا عزيزٌ ومَوئلي
أَصولُ على الأعدا بهِ، وبه أعلو
أناختْ بك الآمالُ مِنّي جميعُها
وألقتْ عصى التَّسيارِ وانقَطعَ السُّبْل
فكيف يَخيب القَصدُ عندك سَيِّدي
أغيرُك يُرجى أم سواك له أَهل
وها أنا مُدْلٍ بافتقاري وفاقتي
إليك وظني فيك أنْ يَنجَحَ السُؤل
وما غيرُ هذا لي إليك وسيلةٌ
وتعويدُك الإِحسانَ والبِرَّ من قَبل
وكيف وهذا يستحيلُ وُصوله
إليك ومما لا يُجَوِّزه العقل
إلهيَ أشكو حالتي واستحالتي
وجهلي، ومِن شرِّ الثلاثِ هو الجهل
وماليَ أشكو ما به أنت عالِمٌ
وليس بِخافٍ عَنك جُزءٌ ولا كُل
وكيف مَقالي مُعرِبا ومترجِماً
بهِ لك عَمَّا في ضَميري لهُ حِلُّ
وما القولُ إلا منك قد كان بارزا
إليك فمنك الخَلْقُ والأمرُ والفِعل
إليك يَمُدُّ السائلون أَكُفَّهم
فتَرجعُ مَلأى بالعطاءِ وما ملُّوا[7]
إليك يَرومُ السالكون بلوغَهمْ
فإنْ سَلكوا غيرَ الطريقِ فقَد كَلُّوا
إليك يَسيرُ السائرون بقصدِهم
فإنْ قَصدوا إلاكَ في سَيرهم ضَلُّوا
لديك يُريد الواصلون نُزولَهم
فإنْ نَزلوا حُيُّوا وقَد هُيِّئَ النُزْل
إلهيَ إنَّ اللطفَ بي منك شاملٌ
مع الجهلِ مِني إنَّ ذا لهوَ الفَضل
إلهيَ أفعالي قِباحٌ جميعُها
ورُحماك تَرْبُو كلّما قَبُحَ الفِعل[8]
إلهيَ بُعدي عنك أَوحَشني وما
أَشدَّك قُرباً، لكنِ الحاجبُ الجَهل
وما زلتَ مَعْ بُعدي وشِدَّةِ غَفلتي
تَعرَّفُ لي بالقربِ مني بما يَحلو
إلهيَ مِني أنت أقربُ لي فما الــ
ـــذي لك عني حاجبٌ. حارتِ النُبْل[9]
وما لذواتِ الكونِ قطُّ حقائقٌ
فتَحجِبُ إلا الوَهمُ والآلُ[10] والظِّلُّ
وكيف تكون الحادثاتُ حواجباً
لِـمُحْدِثِها لَولاهُ ما حَدَثَ الكُل
وكيف تكون الظاهراتُ حواجباً
لمن هوَ منها كان أَظهرَ من قَبل
إلهي أرى الآثارَ عند اختلافِها
أَدلَّ دليل يَستدِلُّ به العقل
إلهي أرى الأطوارَ حالَ انتقالِها
وتحويلِها فيما يَجيءُ وما يَخلو
دليلاً على أنَّ المرادَ بها لَنا
تُعرِّفُنا المقصودَ كي يَنتفي الجَهل
بذاك استَدلَّ العارفون وحَقَّقوا
وحُقَّ لهم ذاك التَّعرفُ والوَصل
إلهيَ إنَّ اللؤمَ يُخرِسُ مِقْوَلي[11]
فيُنطقُهُ مِنك التَّكرمُ والفَضل
ويُيئسني[12] ذنبي فيُطمعني الرَّجا
إلى مَنِّك المُنهَلِّ لا زال يَنْهَلُّ
إلهي ذنوبي أوحشَتني، وفاقتي
دَعَتْني إلى ذاك الجَنابِ بها أَدلو
إلهي نُفوذُ الحكمِ منك بما تَشا
على القَهرِ منه يَبطلُ القولُ والحَول
إذا كان لا حولٌ لنا كيف قولُنا
وقوَّتُك العظمى لها الحَول والطَول
وهذا الذي قد أَلصقَ الخَدَّ بالثَّرى
خُضوعاً عليه الاستكانةُ والذُّل
وهذا الذي أَبكى وأَبْكَمَ حَيرَةً
وأطلَقَ دَمعَ العينِ في القلبِ يَنْهَلُّ
وأَلبسَ لُسْنَ العارفين بلاهةً
وَعِيّاً وهمْ أهلُ النُّهى الفُصَحا النُبل
إلهيَ عَجزُ العبدِ عن جَزم فِعلِهِ
به قاعدٌ طبعاً وما الطَبعُ يَنْحَلُّ
ولكنْ إذا ما صَحَّحَ العَزمَ والذي
يَرومُ من الخيراتِ فهو له فِعل
وذا منك إحسانٌ ومَحضُ تَكَرُّمٍ
وَهَبتَ له ما ليس هوَّ له أَهل
وما عَزْمُ هذا العبد أو جَزْمُ فِعْلِهِ
وقد كان تحت القَهرِ ليس له حَول
وكيف له أنْ يَترك العَزمَ ناكلاً
وتأمرُهُ بالفعلِ أنت له تَبلو
وهذان كالِضّدين لابدّ منهِما
جمعتَهما للعبد. فِعلٌ ولا فِعلُ
وهل يَجمعُ الأضدادَ غيرُك مثلَما
جَمعتَ إلى النارِ الزلالَ الذي يَحلو
فسبحانك اللهم جَلَّت وقُدِّست
صفاتُك عن مِثل، وأنّى لها مِثل
وقدرتُك العظمى وحكمتُك التي
تَرُدُّ النُّهى حسرى فيُدركُها الكَلُّ[13]
نَعم يَجِبُ التصميمُ بالعزمِ في الذي
أَمرتَ ومنك العونُ والحُكمُ والفِعل
إِذِ الفاعلُ المختارُ أنت حقيقةً
ونسبتُه للعبدِ حُكماً هو العَدل[14]
إلهيَ أَخلِصني إليك بِنَظرةٍ
لَدُنِّيةٍ عنّي بها يَنجلي الجهل
إلهيَ واجمعني إليك بِجَذبة
مِن القرْب حتى يَستبينَ ليَ الوَصل
وخُذنيَ عن نفْسي لديك بجَذوةٍ
من النُّورِ تَمحو صفحةَ الكونِ أو تَجلو
أَزِلْ سُحُبَ الآثارِ عني فلا أَرى
سواك على لوحِ الوجودِ به أَسلو
أَمِطْ حُجُبَ الأغيارِ[15] وامحُ ظلامَها
وَجَلِّ دُجاها ما سواك لها يَجلو
إلهي أَزلْ جهلي، ونَوِّر بصيرتي
ببارقةِ الأنوارِ كي ينجلي الجهل
إلهيَ هذي ذِلتي واستكانتي
تراها، بها أدنو إليك، بها أدلو
إلهي ترى ضَعفي وعَجزي وفاقتي
إلى من تَكلْني واستكانَ لك الكُل
إلهيَ حالي ظاهرٌ ليس خافياً
عليك تَراني عالماً ما هو السُّؤل
هو القربُ والإقبالُ بالحُب والرِّضى
وكشفِ الغِطا عن كل ما كَنَّه الجهل
عليك اتكالي منك أَطلبُ سَيّدي
إليك وصولي، والمُنى كلُّهُ الوَصل
إلهي بك استدللتُ منك عليك لا
بغيرِك إذْ لا غيرُ حَقاً ولا مِثل
إلهيَ أَرشِدني بنورِك واهدِني
إليك بفضلٍ منك أنت له أَهل
أَقمني مَقامَ[16] الصِّدقِ بين يديك في
عبوديَّتي حتى يَحقّ ليَ الوَصل
فأَرجعُ موصولاً لرسم عُبودَتي[17]
بعينِ شُهودي، إنَّ هذا هو الفضل
هنالك فرسانُ السباقِ تسابقتْ
لسابِقها صِينَ الغنائمُ والنَّفل
وما غَنِموا الفاني الدنيءَ وإنّما
رأوا لَدُنِيَّ الفيضِ بالفضلِ يَنهَّلُّ
لطائفُ أسرارٍ معارفُ حكمةٍ
مُخدرةٌ عن أن يُدنِّسها البَذل
كذاك خِزاناتُ الملوكِ مَصونةٌ
مغلقةٌ ما إِنْ يُفَكُّ لها قُفل
فكم حارسٍ من دُونها ومراقبٍ
لما قد حَوَت مما يَعِز وما يَغلُو
وما نال منها كلُّ من رام نيلَها
ولكنْ خُصوصٌ من خُصوصٍ لهم نَيل
سوابقُ أقدارٍ جَرَت بِيَد القَضا
وحكمةُ قهّار يدبّرُها عَدل
وكلُّ امتثالِ الأمرِ بالجِدِّ لازمٌ
قياماً لئلا يَعروَ الحكمةَ البُطل
فيا ربِّ أَصلحْ نِيّتي وطويّتي
بخالصةِ التوفيقِ أنت لها أَهل
وعلمني من مخزونِ علمِك مِنّةً
وفضلاً بفيضِ الغَيبِ سِرِّي له يتلو
إلهي وألبِسني الصيانةَ رحمةً
بِسرِّ اسمكَ الأعلى المَصونِ به أَعلو
إلهيَ وافتحْ لي فواتحَ قُربةٍ
من الوهبِ عن سرِّ الحقائقِ لي تَجلو
بتحقيقِ أهلِ القربِ حَقِّق حَقيقتي
ووحِّدْ سبيلي حيثُما افتَرقَ السُبْل
بتدبيرِك الكافي إلهيَ أَغنني
عن الكدِّ والتدبيرِ إن كان لي كِفل[18]
إلهيَ أَلقيتُ اختياري تبَرؤاً
إليك فما لي فيه حَول ولا قَول
إلهيَ إنّي لاجئٌ متعوِّذٌ
بِعزِّك من ذُلي فلا يَغشَني ذُلّ
لغيرِك ملِّكني هوى النفس[19] إنها
لكلِّ شرورِ المرءِ من أَصلها أَصل
وطهِّرنِي من شكّي وشِركي وغَفلتي
بنورِ يقينٍ راسخٍ فهوَ الغُسل
عليك اعتمادي في أموري جميعِها
عليك اتكالي لا سواك لهُ أَهل
إلهيَ كن لي ناصراً ومؤيِّداً
فنصرُك لي في كل نازلةٍ نُزْل
أوجِّهُ سُؤلي في جميع حوائجي
إليك وما في الغَيرِ لي أبداً سؤل
وحاشاك عن منعي وردي بخَيبتي
فأنت كريمٌ يستحيل لك البُخل
إلهيَ مالي عنك في لحظةٍ غِنىً
فلا تُنسِني ذكراك إنْ نَسِيَ الغُفل[20]
وفي فضلِك اللهم أَرغَبُ دائماً
فلا تحرمنِّي المنَّ يا مَن له الفَضل
فأنت عظيمُ الفضلِ والجودِ والعطا
وما غيرُك المقصودُ إنْ ضاقتِ السُّبْل
إلهي إلى ذاك الجنابِ الرفيعِ لا
سواهُ انتسابي واعتصامي به حِل[21]
فلا تُبعدنِّي من جوارِك طَرْفةً
وإن سُؤتُ آداباً، وإن قَبُح الفِعل
فأنت حليمٌ واسعُ العفوِ غافرٌ
كريمٌ رؤوفٌ بالعبادِ وإنْ زَلُّوا
ببابِك يا ذا الطَّول لا زلتُ واقفاً
أُلازمُ قرعَ البابِ ما مَسّني مَلُّ
وكيف يَمَلُّ العبدُ مِن بابِ سَيِّدٍ
ولا عارَ في عبدٍ بذاك ولا ذُلُّ
وحاشاك عن طَردي عن الباب دونما
بلوغِ المُنى حاشا لجودِك يَعتلّ
فأنت كريمٌ مُنعمٌ مُتفضّلٌ
وما المَنعُ من شأنِ الكريمِ ولا البُخْل
وسِعْتَ جميعَ الخَلقِ فَضلاً ومِنَّةً
مُقيتٌ تُقيتُ الكُلَّ من حيثما حَلُّو
فمَن أمَّ ذاك البابَ مُختضِعاً له
يَنَلْ كُلَّ مأمولٍ ويؤنسُه خِلُّ
يَخُضْ بحرَ معروفٍ بعيداً قرارُهُ
ويُذهلُهُ ما لا يكيِّفهُ عَقل
فيا أيها الإخوانُ أُمُّوا لِبابِهِ
بصدقٍ وإخلاصٍ وعن كسلٍ خَلُّوا
تَخَلَّوا عن النفسِ الخسيسةِ إنّها
لَشَرُّ عدوٍ إنها في الحَشا صِل[22]
فلولا عُيوبُ النفسِ ما انحَطَّ قدرُنا
عن الرُّسْل والأملاكِ هذا هو الفَصل
ولولا عيوبُ النفسِ ما كان بينَنا
وبَينهمُ فَرقٌ إِذِ اتحدَ الأصل
ولولا عيوب النفس ما خُلقت لَظى
ولا خُلقت دنيا ولا سُلِك الجهل
ولولا عيوبُ النفسِ ما امتازَ في الوَرى
شريفٌ ومشروفٌ، رفيعٌ ولا رَذل
ولولا عيوبُ النفسِ ما انحطَّ جَدُّنا
إلى هذه الأرضِ الخسيسةِ من قَبل
ولولا عيوبُ النفسِ إبليسُ ما غَوى
وأُبعِدَ مطروداً أحاطَ به الخَذْل
ولولا عيوبُ النفس قابيلُ ما عَصى
بقتلِ أخيه فاستُبيح به القتل
ولولا عيوبُ النفس ما غَرِق المَلا
بطوفانِ نوحٍ بل ولا نالهم بَل
ولولا عيوبُ النفسِ نُمرودُ ما عَتا
فأجّج ناراً للخليلِ بها يَصلو
ولولا عيوبُ النفس إخوةُ يوسفٍ
لما قَذفوا في الجُبِّ يوسفَ وانسَلُّوا
ولولا عيوبُ النفسِ ما قذفَتهُ بالـزِّ
نــاءِ زَليخا[23] وهو ليس له أَهل[24]
وقد كان صِدِّيقاً نبياً مُطَهَّراً
تدرَّعَ بالتقوى له الفضلُ والفصل
فصار إلى السجنِ المشومِ[25] بشؤمِها
وقد نالها من ذلك الخِزيُ والذُّل
فتابت نَصوحاً بعد ذاك وأَصلحتْ
فأعقَبها الرضوانَ خالقُها العَدل
ولولا عيوبُ النفسِ فرعونُ ما عَلا
وقال أنا الربُّ الذي فوقَكم يَعلو
وذَبَّحَ وِلداناً، وفَجَّع نسوةً
أَذلَّ بني يعقوبَ أفناهمُ القتل
فأُهلك إغراقا يَرى الموت عاجزاً
عن الدفع تغشاه المهانة والذُّلُّ
وكم كُذِّبت رسلُ الإله وقتِّلت
وسُفِّه ما جاءت به الكتْبُ والرسْل
وكم قد خَلَت من قبلنا أمم على
ضلالتهم بادوا وفي غَيِّهم ضَلّوا
وما ذاك إلا من نفوسٍ تَمرَّدت
وأبطرَها الإحسانُ والمنُّ والفضل
ألم تر ما قالت قريشٌ لأحمدٍ
يتيمٌ ومجنونٌ وسحراً لنا يتلو
وذلك من كِبْرِ النفوسِ وإنما
همُ يعرفون الحقَّ ليس به جَهْل
أخيّ إِذا ما شئت عِزاً مؤبداً
رفيعاً منيعاً لا يُخالطه ذُلُّ
ومُلكاً كبيراً ظِلُّه ليس قالصاً
سُرادقه عرشُ المهيمنِ والظِّلُّ
فأقبِل على النفسِ النفيسةِ زَكِّها
فأفلحَ من زكَّى وفاز بما يَغلو
وفتِّش لها عن كلِّ عيبٍ تُكِنُّهُ
وعاصِ هواها في الذي عندها يحلو
فمِن طَبعِها إخفاءُ كلِّ قبيحةٍ
تقولُ ادعاءً ما بها خُلُق رَذل
وإنَّ كمالاتِ الورى قد تَكمَّلت
عليها، وكلُّ الفضل فهي له أَهل
وذلك من تدليسِها وغرورِها
خِداعاً ومكراً فيه منها لنا خَتل
أخيَّ احترسْ منها ولا تكُ غافلاً
فإنّ عَشاءَ الذئبِ في الغنمِ الغُفْل
أخيَّ اجتهد في قمعِها وخضوعِها
وتذليلِها في كلِّ صالحةٍ تعلو
فأنت بها تعلو إذا ما ملكتَها
وإن ملَكتك النفسُ حاطَ بك الذُّل
إلهيَ ملِّكني هواها وقوِّني
بقوَّتِك العظمى عليها لك الطَّول
فما لي عليها حِيلةٌ ووسيلةٌ
بدونك. أنت القادرُ القاهرُ العَدلُ
وإنْ كنتُ عن نفسي ضعيفاً وعاجزاً
فعنْ غيرِها أَولى، وحولُك لي حَول
إلهي تصاريفُ القضاءِ تَغَلَّبت
عليَّ، وأنت الناصرُ الحَكَم الفَصل
إلهيَ أَشكو الأسرَ في شَرَك الهوى
ففي عنُقي من أَسرِه أبداً غِلُّ
إلهيَ إنِّي أوحشتني خطيئتي
وقلةُ زادي، والطريقُ بها هَول
فكنْ مؤنسي في وَحدتي عند وَحشتي
فأنت أنيسُ الخائفين متى حَلُّوا
إلهيَ أشكو حَيرتي، بك اهتدي
فأنت دليلُ الحائرين إِذا ضَلوا
إلهيَ قرِّبني إليك، ودُلَّني
عليك، فلا أَبغي سواكَ ولا أَسلو
إلهيَ إني عائذٌ برضاك مِن
مَساخطِك اللاتي بها الطَّردُ والذُّل
إلهي أَنلْ قلبي الرضى إنْ أتى القَضا
بما مَرَّ من مقدورِهِ وبما يحلو
إلهيَ جنبني معاصيك كُلَّها
فإنَّ المعاصي في رِقابِ الوَرى غِلُّ
إلهيَ جمِّلني بتَقواك إنّها
شعارُ أُولي العرفانِ وهي لهم ظِلُّ
إلهيَ ثبِّتني على الحَقِّ واهدِني
وجنِّبنيَ الأهوا إذا التبسَ السُبْل
إلهي أزل عَجزي وضعفي وفاقتي
وجهلي. بك الملجأ إذا عَظُم الهَول
إلهي تَرى حالي وتَعلمُ نِيَّتي
وتَسمعُ تَضراعي وما خَفِي الكُلُّ
إلى من تكِلْني[26] هل تَرى ليَ ناصراً
سواك مُعيناً أم لِغيرك أَنذَلُّ
وما أنا بالباغي سواك وعنك لا
أحولُ، ومَن حالوا فعن رشدِهمْ ضَلوا
إليك بكُلي قد توجهتُ هذه
بضاعتيَ المزجاةُ جَيِّدُها رَذْل
وأنتَ كريمٌ أَوفِ كَيلي وزِدهُ مِن
عطاك فطوبى لي إذا وُفِّيَ الكَيل
وإلا فيا بؤسِي ويا حسرتي ويا
وحاشاك بل حاشا لجودك يَعتَلُّ
وبحرُك طامٍ بالمواهبِ طافحٌ
وسَيبُك سامٍ ساكبُ الفضلِ مُنهَلُّ
إلهيَ صلِّ ثم سلِّم وزد على
نبيِّ الهدى مَن ليس يَجهله الكُّلُّ
وصلِّ وسلم هكذا دائماً على
صحابتِه والآلِ، كلكُمُ صَلُّوا
مع التابعينَ السالكين سبيلَهم
عن الحقِّ ما حادوا وحالوا ولا ضَلُّوا
وعَمِّم جميعَ المؤمنين برحمةٍ
وفَضلٍ وغُفرانٍ ولو أَنهم زَلُّوا[27]
نظم: الشيخ خلفان بن جميّل بن حرمل السيابي
توفي 15 جمادى الآخرة 1392ه (26 يوليو 1972م)



[1]  القصيدة من بحر الطويل وعدد أبياتها 201 وكأنها نظمت معارضة للامية ابن الفارض (هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل) ومعارضة رائد مدرسة السلوك العمانية الشيخ جاعد بن خميس الخروصي لها (أرى العدل عن لوم العذول هو العدل). وعملي فيها: تشكيل المهم، وتصحيح الإملاء، وإضافة السقط، وإسقاط الزيادة، وتصويب الخطأ، وترتيب غير المرتب، وشرح الغامض، وبيان الضرورات، ولو جاز التخلص من كثرة تكرار القوافي وتقاربه في القصيدة لاجتهدت في ذلك ولكن لعل المؤلف أراد أن تكون كل مجموعة أبيات مستقلة ينتفع بها الناس وعندها يختفي التكرار وأثره. الآن حسب علمي هذه هي النسخة الأكمل من القصيدة في المكتوب والمقروء وأسأل الله القبول. عبدالله بن حمدان بن حمود الإسماعيلي. الخوض. 19 نوفبر 2019
[2]  رفع المنصوب (حمل) ضرورة، والصواب ساء له حملا كما في آية طه).
[3]  يجوز أن يكون (هَوَّله) أي جعله هائلاً، ويجوز (هُوَّ له) اسم الإشارة مشدد.
[4]  قطع همزة الوصل (الاختلاف) ضرورة لإقامة الوزن، كما في قول قيس بن الخطيم (إذا جاوز الإثنين سر..) قطع همزة الاثنين.
[5]  الاختلاف ما بين الخلائق من غنى وفقر، وعلم وجهل، وسيد ومسود الخ.
[6]  يكثر في القصيدة تسكين المتحرك ضرورة والأصل: جرَيان، السبُل الخ.
[7]  (وما مَلوا) وما ملّ السائلون من كثرة السؤال (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير)، ويجوز أن تكون (وما مُلُّوا) أي لم يّملَّ الله كثرة سؤالهم وعطائهم.
[8]  رحمة الله تغطي على سوء فعلي.
[9]  النَبْل بفتح النون السهام (أي أخطأت سهام أعمالي مقاصدها) ويمكن أن تكون بضم النون (النُبْل) ويكون تأنيث الفعل على إرادة المعنى أي (حارت النجابة)، أو جمع نبيل تجوُّزاً وقد استخدمها بهذا المعنى في موضع آخر، وإلا فجمع النبيل نِبال ونَبَل بالتحريك ونَبَلَة، والله أعلم.
[10]  الآل السراب. ليس هناك حواجب حقيقية عن الله إلا الثلاث المذكورة وكلها باطل.
[11]  المِقوَل اللسان.
[12]  من اليأس، ومن الخطأ جعلها (ويؤنسني) من الأنس.
[13]  فيدرك النهى الكلال والإعياء (ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير).
[14]  أي أن خالق كل شيء هو الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك خلق الأفعال، ونصيب العبد من الفعل اكتسابه ولهذا ينسب حُكماً إليه وعلى اكتسابه لهذا الفعل يحاسب؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
[15]  الأغيار جمع غير بمعنى سوى، والمعنى أبعدني عن الاشتغال بغيرك والشرك بك.
[16]  مَقام بالفتح أي موضع، ومُقام بالضم إقامة، كلاهما صحيح والأول أولى أي موضع الصدق.
[17]  العبودة والعبودية والعبدية كلها صحيحة: الخضوع والتذلل.
[18]  الكِفل النصيب والحظ.
[19]  أي اجعل نفسي منقادة إليك وحدك فلا تقودني هي بهواها لغيرك سبحانك.
[20]  الغُفْل المقيد الذي لا يرجى خيره ولا يخشى شره والجمع أغفال.
[21]  به حِل أي مقيم.
[22]  الصِّل الأفعى شديدة السم والداهية.
[23]  زَليخا هو الاسم المتداول للمرأة التي راودت يوسف عن نفسه، لم يرد فيه نص حتى عند أهل الكتاب، وهو بفتح الزاي في معاجم العربية، وتتسمى نساء العرب باسم زَلخاء من غير تصغير، والزّلْخ الندي الأملس، وزَلِخَ الكائن سَمِنَ.
[24]  رفع المنصوب (أهلا) ضرورة، والصواب (وهو ليس له أهلا: ليس يوسف أهلاً للزنا).
[25]  المشوم أي المشؤوم.
[26]  جزم المرفوع (تكلُني) ضرورةً شعرية.
[27]  آمين. عدد تكرارات القوافي في قصيدة القطرة الغيثية: جهل (12 تكراراً)/ ذل (11 من دون ذلوا – أنذلُّ)/ كل (10)/ فعل (8)/ يحلو (7)/ عدل (7)/ قبل (6)/ أصل (5)/ عقل (5)/ حول (5)/ وصل (4)/ مثل (3)/ يعتل (2)/ بذل (2)/ غل (2)/ يغلو (2)/ هول (2)/ نزل (2). ملاحظة: لا بأس بالتكرار - وخاصة في الطوال - ما دامت لا تحدث في أقل من 7 أبيات.

علل الحديث بين العلم والفن

  حين يغيب الضابط: علل الحديث بين العلم والفن إذا أردتَ أن تفهم معنى الانتقائية المنهجية على حقيقتها، فما عليك إلا أن تطالع كتب علل الحديث...