محاولة للوصول إلى كلمة سواء
وإشكاليته الأخرى الخلط بين إرادة الله في قوله كن، وبين تنفيذ هذه الإرادة، فالله سبحانه لا يباشر الأعمال بيده وإنما فعله كلمة - ولله المثل الأعلى نحن نرى أن الحكام بل وكل من يترقى في المسؤولية يتطور حتى يصبح فعله كلمة، يقول فتنفعل لكلمته الأشياء؛ فكيف بالله رب العالمين - فكما لا تتعارض حقيقة أن رزق الحي من ربه وأن عملية الرزق تتم عبر مُنفِّذٍ أكان والداً لولده أو حكومة لشعب الخ، هكذا لا يتعارض أمر الله للطبيعة بالتكوين، ولا غرابة أن يقوم المنفذ بعمله عبر تجارب عديدة وأزمنة متطاولة ويصحح عبر التجربة والخطأ والتطوير، وقد صح النسخ حتى في القرآن، وما هو إلا تطوير للأحكام، كل هذا لا يخرج عن إرادة الله وأمره. والفرق بين المؤمن والكافر في هذا أن الكافر قصير نظر فلا يرى إلا النَّوء لينسب إليه المطر، بينما يرى المؤمن يد خالق النوء ومدبر الطبيعة، ذلكم الله رب العالمين.
كما أنّ الخلق ليس كما يتصوره من يسيء قراءة النص الديني بأن الله مارس بيده عجن التربة، وصوَّر شيئا كالدمية ثم نفخ فيه، فتحول إلى كائن حي، فالله أعظم من ذلك. بل بالغ أهل الكتاب في هذا حتى صوروا الخالق في صورة شيخ كبير وأنه خلق آدم على صورة الرب[2]، واتبع كثير من المسلمين شيئاً من ذلك في أدبياتهم الدينية. وإنما الحق الذي ينبغي التزامه هو أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ومن ذلك أمره لهذه الطبيعة الدهرية بأن تكون رحماً كبيراً لهذا الخلق، فكان على مدى زمني طويل، وعلينا التأمل فيه لنزداد بالله معرفة، وبهذا التدبير اللطيف لهذه الطبيعة الدهرية جاء الحديث الذي ينبغي تأمله مطولاً: لا تسبوا الدهر فإنّ الله هو الدهر[3].
لكن الحقيقة أن نظرية التطور لم تعد عند أهل الاختصاص مجرد نظرية في علم الأحياء، بل هي أساس علمي حقيقي بنيت عليه أقسام علم الأحياء، وهي مثبتة بالأدلة الجزيئية والجيولوجية والفيزيائية والكيميائية والحيوية. وقد أصبحت مفهوماً أساسياً في علم الأحياء وتطبيقاته في مجال الطب، بما في ذلك علم الوراثة وعلم الأحياء الجزيئي وعلم الأحياء الخلوي. فطالب الطب الذي لم يدرس التطور البيولوجي عبر الزمن والتطور الجيني، والتشريح التطوري، وتأثير التطور البيولوجي على الصحة والإصابة بالأمراض المعدية والوراثية، وتحور الفيروسات والبكتيريا، من لم يدرس هذا لم يدرس الطب، ومن درسه فهو ابن نظرية التطور
من طبيعة العقل استصغار ما يصل إليه، فيرغب فيما وراءه، ولو كانت حقيقة كبرى لا يمكن منطقاً معها إلا التسليم، وإلا فمن لا يستطيع أن يرى يد الخالق المبدع فيما يجري في رحم الأنثى من تخليق للجنين مرحلة بعد أخرى، ويظن أن الرحم بكل ما يجري فيه من تعقيدات - لا تملكها أدق المختبرات والمصانع - مجرد صدفة، بلا خالق مدبر بديع، ويتجاهل الربط بين مراحل الخلق في الطبيعة بهذه الطبيعة المصغرة فهو مكابر لا يرغب في التسليم للحق، ومن أراد التمرد على الفطرة فسيجد بلا شك ما يجادل به.
