هواتف الجن وبشائر مبعث النبي ﷺ في الأقطار المجاورة
من الظواهر التي اشتهرت في كتب السيرة النبوية وكتب دلائل النبوة ما عُرف بأخبار هواتف الجن؛ وهي الأخبار التي تروي أن أصواتًا كانت تُسمع عند مبعث النبي ﷺ في أنحاء متفرقة من جزيرة العرب، تبشر بظهور النبي الخاتم، وتعلن انقضاء عهد الوثنية، وتدعو إلى اتباع الرسول الجديد. وقد جاءت هذه الأخبار بصور متعددة؛ فمنها ما كان هاتفًا يسمع في الفلوات، ومنها ما كان يخرج من أجواف الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، حتى يفهم عابدوها أن زمنها قد انقضى، وأن الوحي قد نزل على النبي المبعوث في مكة.
وقد أفرد أصحاب السيرة والدلائل لهذه الأخبار أبوابًا خاصة، فمن ذلك: باب ما سمع من هواتف الجن في البداية والنهاية، وباب في بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام في سبل الهدى والرشاد، والفصل في ذكر ما سمع من الجن وأجواف الأصنام والكهان بالإخبار عن نبوته ﷺ في دلائل النبوة. وتجمع هذه الروايات على معنى واحد، وهو أن خبر البعثة لم يقتصر على أهل مكة، بل سبقته أو صاحبته إرهاصات تناقلتها العرب في أقاليم مختلفة، حتى بلغ صداها عُمان والطائف وديار سليم وغيرها.
ومن أشهر تلك الوقائع قصة مازن بن غضوبة الطائي، الذي تذكر المصادر أنه كان يعبد صنمًا يسمى بادر بعُمان. فلما ذبح عنده ذبيحة سمع هاتفًا يخرج من جهة الصنم يقول:
يا مازن أقبل إلي أقبل
تسمع ما لا يجهل
هذا نبي مرسل
جاء بحق منزل
فآمن به كي تعدل
عن حر نار تشعل
وقودها بالجندل
ثم سمع بعد ذلك هاتفًا آخر يقول:
يا مازن اسمع تسر
ظهر خير وبطن شر
بعث نبي من مضر
بدين الله الأكبر
فدع نحيتًا من حجر
تسلم من حر سقر
فلما قدم عليه رجل من الحجاز يخبره بخروج النبي ﷺ، أيقن أن المقصود هو محمد بن عبد الله ﷺ، فرحل إلى المدينة وأسلم بين يديه، واشتهر في الروايات بأنه أول من أسلم من أهل عُمان. وقد أورد هذه القصة عدد من أصحاب السيرة، منهم الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد، كما ذكرتها مصادر تاريخية عُمانية في ترجمة مازن بن غضوبة.
ومن الأخبار المشابهة ما روي عن خويلد الضمري، أنه كان مع قومه عند صنم، فسمعوا من جوفه صائحًا يقول:
ذهب استراق السمع للوحي، ورميت بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، ومهاجره إلى يثرب، يأمر بالصلاة والصيام والبر وصلة الأرحام.
فخرجوا من عند الصنم يتساءلون عن هذا الخبر، حتى بلغهم أن نبيًا قد بعث بمكة، فعرفوا المراد. وقد أورد هذه الرواية أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة ضمن الأخبار الواردة في هواتف الجن.
وروي أيضًا خبر العباس بن مرداس السلمي، وكان في قوم يعبدون صنمًا يسمى ضماد، فسمع من جوفه صوتًا يدعو إلى اتباع النبي ﷺ، ويعلن انقضاء عبادة الأوثان، ثم أعقب ذلك هاتف آخر من الجن يؤكد ظهور الرسول، فكان ذلك سببًا في كسر الصنم وإقباله على الإسلام. وقد أورد أصحاب دلائل النبوة هذه القصة في الباب نفسه الذي جمع أخبار الهواتف.
ومن الأخبار كذلك ما روي عن صنم حمام الذي كانت تعبده بنو عذرة، إذ سمع من جوفه عند مبعث النبي ﷺ:
ظهر الحق، وأودى الحمام، ودفع الشرك الإسلام.
ثم سمع هاتف آخر يقول:
بعث النبي الصادق، جاء بالحق الناطق، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة.
فكان ذلك من الأخبار التي تداولتها العرب في ذلك العصر، وعدها أصحاب السيرة من علامات انتقال الناس من عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده.
وتذكر بعض المصادر أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل إسلامه، كان عند صنم حين سمع هاتفًا يقول:
يا ذريح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله.
ثم لما ظهر الإسلام تذكر تلك الحادثة، وعلم أن المقصود بها النبي ﷺ.
وتتفق هذه الروايات جميعًا على تصوير مشهد واحد متكرر في أنحاء الجزيرة العربية: أصوات غيبية تعلن انتهاء سلطان الأصنام، وانقطاع ما كان للشياطين من استراق السمع، وبعث نبي في مكة يدعو إلى توحيد الله، حتى غدت هذه الهواتف من أشهر الأخبار التي تناقلتها كتب السيرة في باب إرهاصات البعثة وبشائرها.
وإلى جانب أخبار هواتف الجن، حفلت كتب السيرة بأخبار الكهان وما طرأ على حالهم عند مبعث النبي ﷺ. فقد كان الكهان – قبل البعثة – يعتمدون على ما يلقيه إليهم الشياطين مما تسترقه من السمع، فيخلطون الكلمة الصادقة بعشرات الأكاذيب، فتروج كهانتهم بين العرب. فلما اقترب زمن البعثة تغير هذا الواقع تغيرًا جذريًا؛ إذ حيل بين الشياطين وبين مقاعد السمع، وأرسلت عليهم الشهب، فانقطعت عن الكهان الأخبار التي كانوا يتلقونها، وأخذوا يشكون ذهاب ما كان يأتيهم من الغيب، حتى أصبح ذلك من أشهر العلامات التي تناقلتها العرب في ذلك العصر.
وقد سجل القرآن الكريم هذه الحادثة في قول الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: 9]، وفي قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: 7-8]. ولهذا ربطت كتب السيرة بين انقطاع أخبار الكهان وبين ظهور هواتف الجن؛ فكلاهما كان يعكس تحولًا كونيًا صاحب مبعث النبي ﷺ، حيث انقطع ما كانت الشياطين تمد به الكهان، وفي الوقت نفسه أخذت الهواتف تبشر العرب بظهور النبي الخاتم، حتى غدت هذه الظواهر من أبرز الإرهاصات التي سبقت انتشار الدعوة في أنحاء الجزيرة العربية.
وقد أفرد أصحاب دلائل النبوة والسيرة لهذه الأخبار أبوابًا مستقلة، فجمعوا روايات انقطاع الكهان، ورمي الشياطين بالشهب، وهواتف الجن، باعتبارها حلقات متكاملة في تصوير ما صاحب مبعث النبي ﷺ من تغيرات شهدتها العرب، وأدرك منها كثير من الناس أن حدثًا عظيمًا قد وقع، وأن زمن الرسالة الخاتمة قد بدأ.
أهم المصادر:
* سبل الهدى والرشاد، باب: في بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام.
* دلائل النبوة، الفصل في ذكر ما سمع من الجن وأجواف الأصنام والكهان بالإخبار عن نبوته ﷺ.
* البداية والنهاية، باب: في هواتف الجان.
* الشفا بتعريف حقوق المصطفى، في ذكر إرهاصات النبوة وعلاماتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق