*في التحدِّي والإعجاز*
*مناقشة أطروحة الدكتور مختار غوث على ضوء نظرية النَّظم*
استمعت إلى حديث د. مختار غوث في موقع (الأمالي) على تطبيق x بتاريخ 18 يونيو 2026 ورأيت أساليب التعاطي مع كلامه وهذه مساهمة مني عسى أن يكون فيها شيء من النفع.
موضعُ القوّةِ في كلام الدكتور مختار غوث ليس ما انتهى إليه، بل ما أثاره من أسئلةٍ تستحقّ المراجعة. غير أنَّ أصلَ الإشكال عنده يكمن في التسليم بتقسيمٍ يحتاج هو نفسُه إلى نظر: تقسيمِ الإعجاز إلى «بيانٍ» في مقابل «مضمون»، ثمَّ بناءِ النتائج عليه. وإذا اختلَّ الأساسُ اختلَّ ما بُني عليه؛ فلنبدأ منه.
*أصلُ الإشكال: تقابلٌ لم يقرّره المحقِّقون*
لم يُقرِّر هذا التقابلَ كبارُ المحقِّقين في المسألة، وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني. فالإعجاز عنده ليس في الألفاظ المفردة من حيث هي ألفاظ، وإلا لرجَع أمرُه إلى الجَرْس الموسيقيِّ وحُسن النغمة. وليس في المعاني المجرَّدة من حيث هي أفكارٌ وأغراض، إذ المعنى الواحد يشترك فيه البليغُ والعاجز، والمتقِنُ والركيك. وإنما موضعُ المزيّة في *النَّظم*؛ أي في الطريقة التي تنتظم بها المعاني وفق العلاقات النحوية والدلالية التي يقتضيها المقام. يقول في «دلائل الإعجاز»: «ليس النَّظمُ إلا أن تضعَ كلامَك الوضعَ الذي يقتضيه علمُ النحو، وتعملَ على قوانينه وأصوله». فالنظمُ عنده توخّي معاني النحو فيما بين الكلِم، لا تزيينٌ لفظيٌّ يُضاف إلى المعنى من خارج.
وإذا تقرَّر هذا ظهر أنَّ القول بأنَّ «المعجِزَ هو المضمون لا البيان» يضع الإعجازَ في أضعف موضعٍ يمكن أن يُوضع فيه؛ لأنَّ المضمون المجرَّد قابلٌ للاشتراك والنقل والتعبير عنه بوجوهٍ شتّى، ولا تظهر المزيّةُ فيه بمجرَّد ذاته، بل في كيفية أدائه وصياغته ونظمه. فما سمّاه غوث «المضمون» هو بعينه ما استثناه عبد القاهر من أن يكون موضعَ السرّ.
*برهانُ التَّرجمة*
ويزيد هذا وضوحًا أنَّ الترجمةَ الأمينةَ تنقل كثيرًا من المعاني والمضامين التي يتضمَّنها القرآن، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من المسلمين إنَّ الترجمةَ قرآنٌ، أو إنَّ إعجازَ القرآن انتقل إليها. ولو كان الإعجازُ قائمًا في المضمون المجرَّد لكانت الترجمةُ معجِزةً بقَدْر ما تنقل ذلك المضمون. فلمّا أجمع المسلمون على أنَّ الترجمةَ ليست قرآنًا، ولا يَثبت لها وصفُ الإعجاز، دلَّ ذلك على أنَّ جانبًا أساسيًّا من الإعجاز قائمٌ في النَّظم العربيِّ نفسِه، لا في مجرَّد الفكرة المنقولة. وهذه وحدها كافيةٌ في نقض دعوى حصرِ الإعجاز في المضمون.
*الإعجازُ وجوهٌ لا وجهٌ واحد*
ومن الإنصاف الإقرارُ بأنَّ الإعجازَ ليس مقصورًا على وجهٍ واحد، وهنا أصاب غوث. فالتشريعُ، والإخبارُ بالغيب، وما يتَّصل بالهداية وبناء الرؤية الكونية، وجوهٌ ذكرها العلماء قديمًا وحديثًا. وبعضُ هذه الوجوه قائمٌ في المعنى، يَثبت مع الترجمة ويبقى — كالإخبار بالغيب والتشريع — وبعضُها لغويٌّ نظميٌّ لا يُترجَم. فالصواب ليس في حصر الإعجاز في البيان وحده، ولا في حصره في المضمون وحده، بل في الإقرار بتعدُّد وجوهه مع بقاء النَّظم وجهًا مركزيًّا لا يمكن إلغاؤه.
على أنَّ كثيرًا من الاعتراضات المعاصرة إنما تُصيب صورةً متأخِّرةً مبسَّطةً من الإعجاز البياني، حين يُختزَل في المحسِّنات البديعية والزخارف اللفظية. أمَّا نظريةُ النَّظم عند عبد القاهر فلا تقوم أصلًا على هذا التصوُّر، بل على العلاقات الدقيقة بين المعاني في سياق التركيب. ومن ثَمَّ فإنَّ نقضَ الصورة البديعية لا يستلزم نقضَ نظرية النَّظم؛ وهذا فرقٌ يغفل عنه كثيرٌ من المعترضين.
مدارُ التحدِّي على العجز
وأمَّا مسألة التحدِّي نفسها، فمدارُها في الأصل على العجز عن المعارَضة، لا على اتِّفاق الناس على تفسيرٍ واحدٍ لسرِّ الإعجاز. فالقرآن تحدّى خصومَه أن يأتوا بمثله، أو بعشر سُوَرٍ مثله، أو بسورةٍ من مثله، وبقي التحدِّي قائمًا مع استمرار الدعوة وانتشارها. والناس قد يختلفون في تفسير سببِ العجز، لكنَّ وقوعَ العجز شيءٌ وتفسيرَه شيءٌ آخر.
وعلى هذا الأصل يسقط اعتراضان من أقوى ما تمسَّك به غوث: أنَّ البلاغة لا يعرفها إلا البلغاء، وأنَّ الإعجاز ينقضي بموت العرب الفصحاء. فالأعرابيُّ لم يحتج إلى علم البلاغة ليُدرك عجزَه؛ سكَت ولم يُعارِض، وكان سكوتُه هو البرهان. بل إنَّ تخبُّطَ القرشيِّين بين «سِحرٍ» و«شِعرٍ» و«أساطيرَ» شهادةٌ منهم بالعجز؛ إذ لم يُطيقوا أن يقولوا: هذا كلامٌ معتادٌ، وهذا مثلُه. ويكفي في بقاء الإعجاز أن يَثبت العجزُ التاريخيُّ ممَّن هو أقدرُ الناس، وأن يُقِرَّ به أهلُ النظر في كلِّ عصر؛ ولا يُشترط أن يبقى في الناس فصحاءُ بالسليقة.
في عمومِ التحدِّي ونقدِ حصرِه
ومن هنا يظهر ضعفُ حصرِ التحدِّي في أفرادٍ معدودين من قريش، أو في خصومٍ بأعيانهم. فإنَّ آياتِ التحدِّي جاءت بصيغٍ عامّةٍ لا تختصُّ بشخصٍ دون شخص، ولا بقبيلةٍ دون قبيلة، وامتدَّت من المكِّيِّ إلى المدنيِّ. والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
كما أنَّ خبرَ القرآن لم يبقَ حبيسَ مكَّة حتى عام الوفود، بل انتشر في الجزيرة قبل ذلك بسنواتٍ طويلة، وتشهد له الهجرةُ إلى الحبشة، وبَيعتا العقبة، واتِّصالُ القبائل المختلفة بأمر الدعوة في مراحلَ مبكِّرة. وعامُ الوفود زمنُ الدخول الجماعيِّ في الدين، لا زمنُ أوَّل العلم بالقرآن. وأمَّا كونُ قريشٍ ليست قبيلةً شاعرةً فلا يضرُّ؛ لأنَّ التحدِّي لم يكن للشعر وحده، بل القرآن نفى عن نفسه الشعرَ، وجاء في نظمٍ ليس بشعرٍ ولا بسجع الكهّان، فلم تَنفع مَلَكةٌ معهودة. وهذا في صالح الإعجاز لا عليه.
في نشأةِ النظرية وفي الشواهد المنقولة
وأمَّا القول بأنَّ فكرةَ الإعجاز البياني لم تظهر إلا في القرن الثالث الهجريِّ على يد المعتزلة، فيحتاج إلى تحرير. فالتقعيدُ العلميُّ المفصَّل ازدهر فعلًا في القرنين الثالث والرابع وما بعدهما — في «نظم القرآن» للجاحظ، ثمَّ «النُّكت» للرمَّاني، و«بيان إعجاز القرآن» للخطّابي، و«إعجاز القرآن» للباقلّاني، حتى بلغ تمامَه عند عبد القاهر في «الدلائل» و«الأسرار» في القرن الخامس. أمَّا «الصَّرفة» فنَظّاميّةٌ معتزليّةٌ بحقٍّ، وقد ردَّها جمهورُ أهل النظر. لكنَّ إدراكَ تميُّز القرآن في بيانه ونظمه سابقٌ على التقعيد بكثير، والفرقُ ظاهرٌ بين وجود الفكرة في أصلها واكتمالِ بنائها النظريِّ في كتب البلاغيِّين.
ومن الإنصاف أيضًا الإقرارُ بأنَّ بعض الشواهد التي يكثر تداولُها في الكتب المتأخِّرة — كقصَّة أمِّ جُندب وأمثالها — لا يَثبت كثيرٌ منها من جهة الرواية، ولا ينبغي أن تُجعَل عُمَدًا في تقرير قضيّةٍ عظيمةٍ كهذه. وهذا منهجٌ سديدٌ في نقد المرويّات لا غُبارَ عليه. غير أنَّ سقوطَ الشاهد لا يستلزم سقوطَ الأصل الذي استُدلَّ به عليه؛ فإنَّ المدلولَ تقوم عليه أدلّةٌ أُخَر.
خاتمة
أقوى ما أصاب فيه الدكتور مختار غوث تنبيهُه إلى تعدُّد وجوه الإعجاز، ونقدُه اختزالَه في صورةٍ بديعيّةٍ متأخِّرة. وأضعفُ ما في طرحه بناءُ المسألة على الفصل بين البيان والمضمون، ثمَّ حصرُ التحدِّي في دائرةٍ ضيّقةٍ من الأشخاص والزمان والمكان.
والذي يظهر أنَّ الإعجازَ القرآنيَّ أوسعُ من أن يُختزَل في وجهٍ واحد، وأنَّ النَّظم — بالمعنى الذي قرَّره عبد القاهر — يبقى من أقوى وجوهه وأرسخها، وأنَّ التحدِّيَ كان عامًّا، ومدارُه على العجز عن المعارَضة، لا على اتِّفاق المتأخِّرين في تحديد السرِّ الدقيق الذي وقع به ذلك العجز.
توثيق
**آياتُ التحدِّي** الخمس، مرتَّبةً على درجاتها:
- ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (الإسراء: ٨٨).
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣).
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ (يونس: ٣٨).
- ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣).
- ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٤).
*مصنَّفاتُ الإعجاز* المُشار إليها، على ترتيبها التاريخيّ:
- الجاحظ (ت ٢٥٥هـ): «نظم القرآن» (مفقود، تُعرَف مادّتُه من النقول عنه).
- الرمَّاني (ت ٣٨٦هـ): «النُّكت في إعجاز القرآن».
- الخطّابي (ت ٣٨٨هـ): «بيان إعجاز القرآن».
- الباقلّاني (ت ٤٠٣هـ): «إعجاز القرآن».
- عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ): «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، وفيهما تقرير نظرية النَّظم ومعاني النحو.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق