الأحد، 8 مارس 2026

قراءة فكر عبدالله الدهماني

 


 

نحو قراءة تحليلية في فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني

دراسة في بنيته النظرية ومشروعه السنني في قراءة الإنسان والواقع

 

» وحقيقة التوحيد هي وحدة التفسير والإلزام والجزاء«   الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني

 

المقدمة

يمثل فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني محاولةً متماسكة لبناء قراءة إسلامية كلية للإنسان والواقع والتاريخ، لا تقف عند حدود الوعظ، ولا تكتفي بردود الأفعال الثقافية المباشرة، بل تسعى إلى تأسيس نموذج تفسيري متدرج ينطلق من العقيدة، ويمر بالنفس والمعرفة والسلوك، ثم ينتهي إلى الاجتماع والتاريخ والواقع العالمي المعاصر.

وهذه المحاولة لا تُفهم حق الفهم إذا قُرئت في صورة موضوعات منفصلة — كالتوحيد، أو الأحكام، أو أزمة الأمة، أو التزكية، أو التدسية، أو العلمانية، أو التفاهة — لأن هذه كلها عنده ليست ملفات مستقلة، بل فروع متولدة عن أصل واحد. ذلك الأصل هو أن الإنسان كائن مكلّف، وأن فعله الإرادي لا يُفهم إلا داخل منظومة إلزام.

ومن هنا يتشكل السؤال المركزي الذي تنتظم حوله نصوصه كلها: بمَ يُلزم الإنسان نفسه؟ ومن أين يستمد هذا الإلزام؟ ومنذ هذه النقطة يبدأ نسقه كله في الاتساع؛ لأن مصدر الإلزام عنده ليس مسألة فقهية جزئية، بل هو المدخل إلى فهم النفس والمعرفة والسلوك والتربية والسياسة والواقع الحضاري المعاصر.

ومن أجل ذلك يغلب على فكره الطابع المنظومي؛ فهو لا يكتب في الغالب كتابةً تجزيئية، بل يشتغل عبر خرائط كلية وثنائيات وخماسيات وثلاثيات، يقصد بها تحويل الواقع المتشعب إلى بنية تفسيرية قابلة للفهم والتشخيص والمعالجة. ولهذا يبدو فكره في بعض الأحيان ثقيلًا في التلقي، لا لاضطرابه الداخلي، بل لقوة تماسكه وتوليده الداخلي للمفاهيم. إنه فكر مؤسس لمشروع، لا مجرد تعليقات على الوقائع.

وتسعى هذه الدراسة إلى إعادة كتابة معالم هذا المشروع إعادةً متكاملة، تستوعب أصوله العقدية وبنيته النفسية والسلوكية وتصوره للمعرفة الجيدة وتحليله لأزمة الأمة وبناءه لمنظومة الفكر العقدي وقراءته للحداثة وما بعدها، ثم عرضه الأوضح في «ثلاثية نظام التدسية المعاصر«.

 

أولًا: المنطلق الأعمق — الإنسان كائن مكلّف

المدخل الصحيح إلى فكر الدكتور الدهماني ليس السؤال عن رأيه في الحداثة، ولا عن تفسيره لأزمة الأمة، ولا عن مشروعه التربوي، بل عن نظرته إلى الإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس مجرد ذات نفسية، ولا فردًا اجتماعيًا، ولا عنصرًا سياسيًا في جماعة، بل هو قبل ذلك كله كائن مكلّف. وهذه الفكرة البسيطة في ظاهرها هي المفتاح الذي يفسر جميع امتدادات مشروعه.

فإذا كان الإنسان كائنًا مكلّفًا، فإن كل فعل إرادي يصدر عنه لا بد أن يقع تحت حكم ما. ومن هنا يصير سؤال الفعل الإنساني عنده سؤالًا معياريًا قبل أن يكون سؤالًا وصفيًا: هو لا يبدأ عادةً من «لماذا وقع الفعل؟» بل من «كيف يُحكم على هذا الفعل؟ وما المرجعية التي تمنحه معناه ووزنه الأخلاقي والشرعي؟» ولهذا فإن الفكر والنفس والتربية والاجتماع والسياسة والعالم المعاصر، كلها في نسقه تعود في النهاية إلى أصل واحد: مرجعية الحكم على الفعل الإرادي.

وبهذا نفهم سرّ حساسيته الشديدة تجاه الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية والنسبية القيمية؛ فهذه كلها في نظره لا تمثل مجرد اختلافات ثقافية أو فلسفية، بل صورًا لتحويل مصدر الإلزام: إما من الوحي إلى العقل، أو من الحق إلى الجماعة، أو من المرجعية إلى اللاحكم، وهو ما يفضي في النهاية إلى تفكيك المسؤولية نفسها.

 

ثانيًا: مركز الثقل — الحكم لا الوصف

إذا كان أصل فكره أن الإنسان كائن مكلّف، فإن مركز الثقل فيه هو أن العالم لا يُقرأ أولًا من منظور الوصف، بل من منظور الحكم. وهذه نقطة دقيقة جدًا في فهمه؛ لأنه لا يتعامل مع الفكر بوصفه تأملًا محايدًا في الواقع، بل باعتباره تحديدًا لمصدر الإلزام الذي يحكم الفعل. ولذلك تكثر في كتاباته صيغ: الحكم الشرعي، الحكم العقلي، غياب الحكم، تصور وحكم، تفسير وإلزام وجزاء.

وهذا كله ليس ترتيبًا تعليميًا فحسب، بل بنية عقلية ثابتة: تحويل الظواهر إلى بنية حكم. فالعالم عنده لا يُفهم فقط عبر توازنات القوة، ولا عبر المصالح الاقتصادية، ولا عبر التحولات الاجتماعية المجردة، بل عبر سؤال أعمق: ما المرجعية التي تحكم الفعل؟

ومن هنا أيضًا يفسر أزمة الأمة تفسيرًا يختلف عن كثير من القراءات السياسية أو الإصلاحية السطحية. فأزمتها في جوهرها ليست عنده أزمة عدد أو عتاد أو تدبير سياسي فحسب، بل هي أزمة مرجعية حكم.

 

ثالثًا: البنية الثلاثية — العقل والنفس والسلوك

في هذا الموضع يظهر أحد مفاتيح فكره المهمة، وهو تقسيم الإنسان عمليًا إلى ثلاث دوائر متداخلة: العقل موضع التفسير والفهم، والنفس موضع الحب والخوف والرجاء والوهن والثبات، والسلوك ميدان العمل والتبعية والاتباع والإنجاز.

وهو يرى أن الخلل لا يبدأ من السلوك مباشرة، بل يبدأ من التفسير؛ لأن التفسير الخاطئ ينتج نفسًا واهنة، والنفس الواهنة تنتج سلوكًا تابعًا أو مضطربًا. ولهذا لا يثق بالإصلاح السلوكي وحده، ولا بالوعظ المجرد، ولا بالحماس الخطابي المنفصل عن البناء المعرفي. إنه يطلب دائمًا «منظومة يقين تفسيرية»، أي بناءً معرفيًا يفسر العالم والإنسان والأحداث تفسيرًا يورث اليقين، ثم يُترجم ذلك إلى ثبات نفسي وفاعلية سلوكية.

وفي هذا السياق تندرج قائمته للعوامل الأساسية للشخصية الفاعلة: اليقين التفسيري، والإرادة العلمية، والوعي الذاتي، والثبات النفسي، والولاء الاجتماعي، والعمل المتقن، والتوبة الصادقة. وهذه القائمة ليست أخلاقًا متناثرة، بل حلقات في تكوين الإنسان الفاعل: فهم، فإرادة، فوعي، فثبات، فاندماج اجتماعي، فإتقان عملي، فتصحيح مستمر بالرجوع إلى الله.

 

رابعًا: التوحيد بنيةً لا بابًا

من أكثر النقاط مركزية في فكر الدكتور الدهماني أنه لا يتعامل مع التوحيد بوصفه مجرد باب من أبواب العقيدة المدرسية، بل ينظر إليه بوصفه البنية العليا التي تنتظم الوجود الإنساني كله. ولهذا يقول: حقيقة التوحيد هي «وحدة التفسير والإلزام والجزاء«.

فالتوحيد عنده يفسر العالم لأنه يرد الظواهر إلى مرجعية واحدة كاشفة للمعنى، ويلزم السلوك لأنه يجعل الحكم على الفعل صادرًا عن مرجع أعلى لا عن أهواء الأفراد والجماعات، ويضبط الجزاء لأنه يربط الفعل بنتيجته في الدنيا والآخرة ضمن نظام عدل إلهي. ومن هنا تتولد بقية مفاهيمه: فالمخلوقات نظم توحيد، والإنسان نظام تزكية، وثلاثية البصيرة المعرفية هي الفطرة والخبرة والوحي، وخماسية الجزاء هي التفكير والتصديق والتسليم والنية والعمل الإرادي.

وهكذا ينتقل التوحيد من أن يكون مجرد تقرير عقدي إلى أن يصبح بنية عقلية ونفسية وسلوكية ومعرفية واجتماعية. ولذلك يربطه بالتفكير والاجتهاد والأمن الفكري والعمل المتقن وبناء المعرفة الجيدة وصلاح الفرد والمجتمع.

 

خامسًا: المعرفة الجيدة ووحدة البناء المعرفي

في ضوء هذه الرؤية التوحيدية، يقدم الدكتور الدهماني تصورًا لافتًا لما يسميه «المعرفة الجيدة«. وهو يرفض أن تُقاس المعرفة النافعة بالحظوظ الدنيوية أو بالمنفعة الظاهرة وحدها، ويرى أن قيمتها تُقاس بتكاملها وانتظامها ووحدتها في عقل الإنسان ووجدانه وسلوكه. ولذلك يجعل المفهوم الأساس في بناء المعرفة الجيدة هو «الوحدة»: وحدة المعلومات وعدم تناقضها، ثم وحدة التفكير فيها والتصديق بها والتسليم النفسي والعملي لها، ثم وحدة الوعي الذاتي والاجتماعي للفرد.

وينتهي هذا كله إلى منظومة يقين مفسرة للظواهر والأحداث والأعمال، ومنهج تفكير سليم، وطمأنينة قلب عاقل، ومشاعر نفسية واجتماعية طيبة، وعمل صالح متقن. بهذا المعنى، المعرفة عنده ليست تراكمًا معلوماتيًا، بل بنية موحدة تُنبت اليقين وتولد السكينة وتثمر العمل.

وهذا التصور المعرفي ينسجم تمامًا مع نقده للواقع المعاصر؛ لأن أزمة الإنسان الحديث في نظره ليست فقط كثرة المعلومات، بل تشتتها وانفصالها عن الوحدة المفسرة وعن التسليم العملي وعن الوعي الذاتي والاجتماعي.

 

سادسًا: منظومة الفكر العقدي ومنظومة التفكير العلمي

يتوسع هذا البناء إلى ما يسميه «منظومة الفكر العقدي»، وهي خمس أفكار رئيسة مشتقة من العقيدة الإسلامية: حقيقة التوحيد بوصفها وحدة التفسير والإلزام والجزاء، والمخلوقات نظم توحيد والإنسان نظام تزكية، وثلاثية البصيرة المعرفية: الفطرة والخبرة والوحي، وفاعلية الإنسان هي فاعلية الإرادة العلمية، وخماسية الجزاء: التفكير والتصديق والتسليم والنية والعمل الإرادي.

كما يقدم «منظومة التفكير العلمي في حقيقة التوحيد»، ويجعلها قائمة على الاستقراء السنني، والاستدلال التفسيري، والتصديق السمعي، ومهارات السؤال. واللافت هنا أنه لا يفصل بين العلم الشرعي والتفكير المنهجي، بل يريد أن يؤسس من التوحيد نفسه منهجًا في النظر والاستدلال والسؤال والحكم. ومن هنا يظهر أن فكره ليس تربية أخلاقية وحسب، ولا دفاعًا عقديًا تقليديًا، بل محاولة لبناء عقلية إسلامية متكاملة ترى العالم من داخل التوحيد لا من خارجه.

 

سابعًا: الأحكام العملية — من الفقه إلى خريطة تفسير العالم

من النصوص المفصلية في فهم فكره نصه في «أهمية الأحكام العملية في حياتنا«. هذا النص في ظاهره قصير، لكنه في حقيقته خريطة تفسير للعالم. فحين يضع التصاعد الثلاثي: في الإسلام لكل فعل إرادي حكم شرعي، وفي فكر الحداثة لكل فعل حكم عقلي وعند الاختلاف فالحكم للأغلبية، وفي فكر ما بعد الحداثة لا أحكام للأفعال وكل فعل مباح — فهو لا يكتب تقريرًا فقهيًا، بل يضع معيارًا واحدًا لقراءة التاريخ والحضارة والواقع: مصدر الحكم على الفعل الإرادي.

وجملته الجامعة: «ومنظور الأحكام يفسر لنا ما يحدث في العالم من أحداث» ليست خاتمة عابرة، بل دعوى تفسيرية كبرى: العالم ينفجر عندما يغيب الحكم، ويتوحش عندما ينفصل الحكم عن الحقيقة، ويستقيم عندما يتوحد مصدر الإلزام.

 

ثامنًا: أزمة الأمة — الوهم والوهن والتبعية

في ضوء هذا البناء كله يقرأ الدكتور أزمة الأمة الإسلامية المعاصرة. وهو يستند في ذلك إلى حديث القصعة، لكنه لا يقف عند الوعظ به، بل يحوله إلى خريطة تشخيصية. فالأزمة عنده ذات ثلاثة محاور: محور عقلي أزمته الوهم، وهو وهم القوة والغلبة في الكثرة والصورة؛ ومحور نفسي أزمته الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت؛ ومحور سلوكي أزمته التبعية، وهي الانقياد لمنظومات الآخرين في القيم والسلوك والمعايير.

وهي في الحقيقة إعادة تطبيق لبنيته الثلاثية الكبرى: تفسير فاسد، ثم نفس مضطربة، ثم سلوك تابع. ولذلك فإن مشروعه الإصلاحي لا يبدأ من السياسة وحدها، ولا من الحماسة وحدها، بل من إعادة بناء التفسير، لأن فساد التفسير يولد فساد المقصد ثم فساد السلوك.

 

تاسعًا: ثلاثية نظام التدسية المعاصر

يبلغ هذا النسق الفكري أوضح صوره في عرض «ثلاثية نظام التدسيةالمعاصر»، حيث ينطلق من سورة الشمس بوصفها خريطة للأنظمة: محور النظام الكوني «نظام التسخير»، ومحور النفس الإنسانية «نظام التزكية ونظام التدسية»، ومحور الاجتماع والتاريخ. وهنا تظهر فكرته بوضوح: القرآن يقدم خرائط تفسيرية لا مجرد وعظ تعبدي.

ثم ينتقل إلى الاجتماع والتاريخ ليقرر أن التدسية ليست حالة فردية فقط، بل نموذج نظام اجتماعي يتكرر في الأمم. ثم يضيف أن التدسية في الواقع المعاصر تحولت إلى نظام عالمي يهيمن على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والتقنية، وأن هذا النظام هو الأشد والأعتىفي التاريخ البشري بما لديه من العلم والمال والتقنية وتوظيف تراكمات الأنظمة السابقة لإحكام السيطرة. ويُحدد خصوصية التدسية المعاصرة في ثلاثية محددة: عدم اليقين، واللا أحكام، والتفاهة.

 

عاشرًا: عدم اليقين

عدم اليقين عنده ليس مجرد حالة معرفية عرضية، بل حالة مركبة تبدأ بالحيرة والتردد، ثم الشك، ثم الوصول إلى عدم اليقين. وأخطر حالاته هي عدم اليقين بالمرجعية الدينية: التشكيك في القرآن والسنة، والطعن في العلماء والقدوات، ثم الانتقال إلى التشكيك في وجود الخالق. وهذا ينسجم تمامًا مع تشخيصه السابق؛ لأن سقوط المرجعية في النفس هو بداية انهيار منظومة الإلزام.

أما العلاج فيقوم على أمرين متلازمين: الوعي السنني أي فهم سنن الآفاق وسنن الأنفس وأحداث الحاضر ومرجعياتها الفكرية، والتفكير النقدي البناء أي تدريب النفس والناشئة على نقد الأفكار والآراء بمنهج سليم. وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في مشروعه؛ لأنه لا يواجه الشك بالدعوة إلى تعطيل النظر، بل يدعو إلى نظر أعمق من داخل منظومة يقين منضبطة.

 

حادي عشر: اللا أحكام

الركن الثاني من ثلاثية التدسية هو «اللا أحكام»، ويقصد به نزع العلاقة بين الفعل وبين حكمه الشرعي أو العقلي، بحيث يصبح كل فعل مباحًا. ويقترح علاجًا تربويًا منهجيًا هو «منهج تدريس الأحكام الشرعية»، مستنبطًا قاعدة جامعة من آية الصيام: تعظيم الآمر، ثم الحكم، ثم الصفة الخلقية الناتجة عنه. فهذا الترتيب عنده مهم جدًا: لا تُدرَّس الأحكام في صورة أوامر منفصلة فقط، بل ضمن سياق تربوي يربط الأمر بمصدره والحكم بثمرته الخلقية. ولذلك فالحكم ليس مجرد ضبط خارجي، بل مسار لتكوين التقوى.

 

ثاني عشر: نظام التفاهة

الركن الثالث هو «التفاهة»، وهي عنده ليست ظاهرة ذوقية أو مشكلة في المحتوى الترفيهي فقط، بل نظام عالمي يصنع نماذج ويضخمها ويمولها. ومن ملامحه الاهتمام بالتافهين بوصفهم قدوات نجاح، وإقناع الإنسان أن الطريق الأسهل للمال والوجاهة هو تفريغ المعنى والجهد. ويرى أنه يقوم على ركنين: تعطيل العقل الذي يظهر في ضعف التركيز وتشتت الانتباه، ووهم المتعة في شعور زائف باللذة الآنية.

والعلاج عنده هو إرادة المعالي والهمم العالية، أي صناعة هدف كبير ومعنى كبير يحمي الإنسان من الانحدار، ثم تعليم المنظومات بدل الغرق في الجزئيات. وهنا يتضح مرة أخرى أن مشروعه التربوي مقاومةٌ للتفكك المعرفي والوجداني عبر إعادة ربط الإنسان بالمعنى الكلي.

 

ثالث عشر: التربية وبناء الإنسان الفاعل

ليس فكر الدكتور مشروعًا نقديًا صرفًا، بل هو مشروع بناء. ففي صلبه اهتمام واضح بتكوين الشخصية الفاعلة وببناء المعرفة التي تثمر العمل المتقن وبغرس الإرادة العلمية وبترسيخ الوعي الذاتي والاجتماعي وبالعناية بالتوبة الصادقة والولاء الاجتماعي والثبات النفسي. ولهذا تظهر في نصوصه التربية بوصفها تحويلًا للمعرفة إلى بنية نفسية وسلوكية، لا مجرد تلقين معلومات.

 

رابع عشر: موقفه من الحداثة وما بعدها والعلمانية

من داخل هذا النسق كله نفهم نظرته إلى الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية. هو لا يتناولها عادةً من باب التاريخ التفصيلي للفلسفة الغربية، بل من زاوية معياريّة: ماذا فعلت بمصدر الإلزام؟ كيف أثرت في علاقة الإنسان بالحكم؟ ومن هنا جاء حكمه الإجمالي: الحداثة نقلت الحكم من الوحي إلى العقل، وما بعد الحداثة نقلته من العقل إلى اللاحكم، والعلمانية في ممارساتها لا تنفصل عن هذا المسار. ولذلك دعا إلى مراجعة مفهوم العلمانية من واقع الممارسات الفعلية للدول العلمانية، كما في التعامل مع المحجبات في فرنسا، أو ما جرى في تركيا العلمانية، أو المواقف الغربية المعاصرة من غزة.

وهذا يعني أن اعتراضه ليس مجرد اعتراض أخلاقي على بعض السلوكيات، بل اعتراض على البنية المرجعية التي تفصل الحكم عن مصدره المتجاوز، أو تجعله تابعًا لموازين القوة والغلبة والمصلحة.

 

خامس عشر: الخصائص المنهجية لفكره

يمكن بعد هذا كله أن نصف فكر الدكتور الدهماني بأربع خصائص متلازمة. أولها أنه فكر منظومي يميل إلى بناء الخرائط الكلية لا إلى الشرح التجزيئي، ولذا تكثر عنده الثلاثيات والخماسيات والثنائيات بوصفها طريقةً في الإمساك بالواقع وردّه إلى بنى عليا. وثانيها أنه فكر سنني يستخرج من القرآن ومن خبرة الإنسان قوانين لحركة النفس والمجتمع والتاريخ. وثالثها أنه فكر تربوي حضاري لا يفصل بين المعرفة وإصلاح الإنسان، ولا بين إصلاح الإنسان وبناء المجتمع، ولا بين المجتمع وتفسير التاريخ. ورابعها أنه فكر يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، أي من الكليات إلى الجزئيات، ومن الرؤية إلى الوقائع، ومن المنظومة إلى الحدث.

 

سادس عشر: موقعه في الفكر الإسلامي المعاصر

يمكن أن يُنظر إلى فكر الدكتور الدهماني بوصفه امتدادًا معاصرًا لخط إسلامي سعى إلى فهم الحضارة والأمة من خلال بنى كلية. ففيه شيء من الحس السنني الذي يذكّر بابن خلدون من جهة قراءة الأنظمة والحركة الاجتماعية، وفيه شيء من الهم الحضاري الذي يذكّر بمالك بن نبي من جهة تشخيص قابلية الانهيار وإعادة بناء الإنسان. لكن ما يميزه بوضوح هو تشديده على البعد النفسي المعرفي: التفسير، ثم النفس، ثم السلوك، ثم المجتمع، ثم النظام العالمي.

 

الخاتمة

ينكشف من هذا العرض أن فكر الدكتور عبدالله بن حمدان الدهماني ليس مجموعة ملاحظات متناثرة في العقيدة أو التربية أو نقد الحداثة، بل مشروع واحد متماسك، يبدأ من تعريف الإنسان بوصفه كائنًا مكلّفًا، ثم يجعل مصدر الإلزام محور تفسيره للفعل الإنساني، ثم يبني على ذلك تصورًا للتوحيد بوصفه وحدة للتفسير والإلزام والجزاء، ويصل من خلال ذلك إلى بناء نظرية في المعرفة الجيدة والشخصية الفاعلة وأزمة الأمة وقراءة الواقع العالمي المعاصر عبر «ثلاثية نظام التدسية».

وفي هذا كله يظهر أنه يحاول أن يعيد بناء العلاقة بين العقيدة والحياة، وبين المعرفة والعمل، وبين النفس والتاريخ، وبين التربية والحضارة.

والحق أن قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في ما يقدمه من أجوبة، بل في نوع الأسئلة التي يعيد طرحها: ما الإنسان؟ ما المعرفة الجيدة؟ ما مصدر الحكم؟ كيف يتكون الوهن؟ كيف تتحول النفس إلى نظام اجتماعي؟ وكيف يصبح التوحيد قوة تفسير وبناء وحركة؟ وهذه الأسئلة، إذا نضجت في خطاب علمي وتربوي أوسع، يمكن أن تجعل من فكر الدكتور الدهماني إسهامًا مميزًا في تجديد التفكير الإسلامي المعاصر من داخل أصوله.

 


أمة لا تموت

 أمة لا تموت..


في اللحظات التي يضيق فيها الأفق، وتتكالب فيها الأحزاب، وتكاد القلوب تبلغ الحناجر، يبحث المسلم في ذاكرته عن مشاهد شبيهة مرّت بها الأمة من قبل، فيسعفه التاريخ بصوتٍ أعلى من كل ضجيج: لقد مرّت هذه الأمة العظيمة بما هو أشد، وخرجت منه أصلب عوداً.


إن التاريخ يخبرنا بقاعدة ذهبية صاغها ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران". فمهما بلغت القوة الغاشمة من عتوٍّ تقني أو عسكري، فإنها بمجرد أن تتخلى عن الأخلاق وتنقلب من العدل إلى الجور، تبدأ في زراعة بذور فنائها من الداخل. وما نراه اليوم من غطرسةٍ بلا أخلاق، هو في الحقيقة علامة "الهرم" التي تسبق سقوط الإمبراطوريات، تماماً كما سقطت من قبلها قوى ظنت أنها ملكت الأبد.


فهذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها الأعداء لكسر شوكة المسلمين ومحوهم من الوجود لو استطاعوا. فعلها يهود بني النضير حين جابوا الجزيرة يحرضون القبائل، حتى جمعوا جيشاً لم تر له العرب مثيلاً. وجاؤوا من فوقنا ومن أسفل منا، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن البعض بالله الظنون، وتحدث المنافقون عن “النهاية”. لكن النهاية لم تكن كما أرادوا. انفضّت الأحزاب، وقال النبي ﷺ كلمته الخالدة: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». ومن قلب الحصار وُلد التحول، وانتقلت الأمة من الدفاع إلى المبادرة.


ثم دارت القرون، وجاءت الحروب الصليبية. وسقطت القدس سنة 492 هـ، ودخلها الصليبيون دخولاً دامياً، وظن كثيرون أن صفحة المدينة المقدسة قد طُويت، وأن الهيبة قد انكسرت إلى غير رجعة. بدا المشهد وكأنه أفول طويل. لكن تحت رماد الفرقة كانت تتشكل ملامح نهضة جديدة، حتى قيّض الله للأمة صلاح الدين، فوحد الكلمة بعد شتات، وأعاد بناء المعنى قبل أن يسترد الأرض. وفي حطين تبدل وجه التاريخ، وعادت القدس إلى حضنها، فعلم الناس أن السقوط قد يكون طوراً عابراً في مسيرة أمة لا تموت.


وحين سقطت بغداد سنة 656 هـ، وقُتل الخليفة، واسودّ ماء دجلة بمداد الكتب، خُيّل لكثيرين أن الإسلام قد طُوي مع تلك الصفحات. ودوّن بعض المؤرخين بمرارة: “هذه نهاية الإسلام”. غير أن التاريخ كان يخبئ فصلاً آخر؛ فما هي إلا سنتان حتى قامت “عين جالوت”، فوقف أبناء الإسلام في وجه أعتى قوة في زمانهم، وتكسّرت على أعتابهم موجة الغزو. ثم ما لبث أولئك المغول أن دخل كثير منهم في الإسلام، فتحوّل السيف الذي جاء ليقتلع الحضارة إلى قوةٍ تحتمي بها الحضارة نفسها.


وحين ظن البرتغاليون أنهم خنقوا سواحل الخليج العربي وسيطروا على طرق التجارة العالمية بظلمهم وعربدتهم، انبعثت من قلب عُمان قوة "اليعاربة" الصادقة، فحرروا الثغور وطاردوا أساطيل الاستعمار من المحيط إلى الخليج، مؤكدين أن الأمة التي يقودها رجال يجمعون بين التقوى والبأس لا يمكن أن تُسلم قيادها لغازٍ، ولا يطول ليلها مهما ادلهمت الخطوب.


ثم أقبلت عصور الاستعمار الغربي، فتقاسمت القوى الكبرى بلاد المسلمين، ورفعت أعلامها فوق عواصمهم، وظن كثيرون أن زمن السيادة قد انقضى إلى الأبد. امتدت الهيمنة عقوداً طويلة، وأثقلت الأرض بقيودها، لكن جذوة الهوية لم تنطفئ. ما لبثت حركات التحرر أن قامت من كل صوب، وانحسرت موجة الاحتلال شيئاً فشيئاً، حتى انكشفت الغمة، وبقيت الأمة رغم ما أصابها من تمزق وضعف، شاهدةً أن السيطرة قد تطول، لكنها لا تخلع الروح من جسد حي.


ولا تذهب بعيداً؛ فهذه أفغانستان تعاقبت عليها قوى كبرى: البريطانيون، ثم السوفييت، ثم الولايات المتحدة وحلفاؤها. ظن كل طرف أنه سيطوي صفحتها، لكنها كانت في كل مرة تعود إلى المشهد من جديد، بما لها وما عليها، شاهدةً أن كسر الإرادة ليس أمراً يسيراً كما يُتصوَّر.


إن ما نمر به اليوم هو "تمحيص" تقتضيه سنة التدافع، فلا نصر بلا ابتلاء، ولا تمكين بلا اختبار لصدق النوايا وتماسك الصفوف، كما قال الله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.


ألا ما أشبه هذه الأمة بالشجرة الضاربة الجذور. تُقلَّم تقليماً جائراً، فتبدو لعين الجاهل وكأنها لن تُورق بعد ذلك. ثم يأتي الربيع، فتعود أكثف خضرة وأينع ثمراً؛ لأن التقليم عمّق الجذور وأيقظ ما كان كامناً في العروق. وهكذا شأن أمة الإسلام مع النوازل؛ كل محنةٍ تُنزل بها تدفعها، إن أحسنت الفهم، إلى مراجعةٍ أصدق وقوةٍ أرسخ.


تفككت الدولة بالردة بعد النبي ﷺ، فكانت صحوة الصدّيق التي أطلقت أعظم الفتوحات. وسقطت القدس ثم عادت، وسقطت بغداد ثم نهضت الأمة من حولها، وضاعت الأندلس من يد المسلمين، فإذا بالإسلام يتمدد في أفريقيا وأقاصي آسيا، وكأن الجغرافيا نفسها تعيد توزيع الضوء حين يخبو في موضع ليشتعل في موضع آخر.


إن سنة التدافع ليست خللاً في المسار، بل هي جزء من النظام الذي يحكم حركة التاريخ. يقول ابن خلدون: “الأمة التي تقوم على صبغة دينية، تذوب فيها الأحقاد وتتحد الوجهة، فلا يقف أمامها شيء”. ويعترف المؤرخ البريطاني توينبي قائلاً: “الحضارة الإسلامية تعرضت لما يمحو أي حضارة أخرى، لكنها ظلت تحتفظ بجوهرها الحي”.


فإن رأيت الأحزاب تتجمع، فتذكر الخندق. وإن طال احتلال أو سقطت مدينة مقدسة، فتذكر القدس وحطين. وإن تفرقت الصفوف، فتذكر يوم الردة. وإن بدا الطوفان كاسحاً، فتذكر عين جالوت. وإن رأيت أساطيل الغزاة تجول فتذكر اليعاربة. إن هذه الأمة التي عبرت الصليبيين والتتار وعصور الاستعمار لا تموت بتآمر المتآمرين.


نعم، قد تمرض، تُجرح، تنزف… لكنها لا تموت. لأن هذا الدين ليس ملكاً لبشر يزول بزوالهم، بل هو كلمة الله الباقية.


ثم إن ميزان النصر والهزيمة في التصور الإسلامي ليس هو الميزان الضيق الذي يقيس النتائج بحساب الأرض والسلاح والخسائر المادية فقط. فهذه مقاييس لحظةٍ من التاريخ، لا لمصير رسالة. إن معيار النصر في ميزان الإسلام هو بقاء هذا الدين حياً في الناس، وانتشاره في القلوب والعقول، واتساع دائرته في الأرض. فإذا استمر الإسلام ينتشر ويكسب أتباعاً جدداً، ويتحول من فكرةٍ محاصَرة إلى عقيدةٍ تدخل بيوتاً جديدة كل يوم، فإن الأمة في ميزان الرسالة منتصرة، مهما بلغت التضحيات ومهما اشتدت المحن. والتاريخ يشهد أن كثيراً من أعظم موجات انتشار الإسلام جاءت بعد أوقات الشدة والصراع، حتى أصبح الخصوم أنفسهم بعد حين جزءاً من هذه الأمة. والواقع المعاصر لا يخرج عن هذه السنة؛ فمع كل جولة من جولات الصراع يتسع حضور الإسلام في العالم، وتزداد الأسئلة عنه، ويقبل عليه الناس باحثين عن معناه وهدايته، وكأن الدماء والابتلاءات تتحول – بتدبير الله – إلى جسورٍ تعبر عليها الرسالة إلى آفاق أوسع.


﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾


﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾


﴿وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار﴾


﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾


﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾


﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾


فاثبت، وأحسن، وتوكّل. فإن الفجر لا يلغيه طول الليل.

ع ح

قراءة فكر عبدالله الدهماني

    نحو قراءة تحليلية في فكر الدكتور  عبدالله  بن حمدان الدهماني دراسة في بنيته النظرية ومشروعه  السنني  في قراءة الإنسان والواقع   »  وحقيق...