بسم الله الرحمن الرحيم
قولٌ مُحرَّر في الاستغفار والترحّم على موتى المسلمين
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وجعل لعباده أبواب الرجاء مفتوحة، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ الذي كان رحيماً بأمته، حريصاً على هدايتهم، أما بعد:
فهذا تحريرٌ جامع لمسألة الترحّم والاستغفار لموتى المسلمين، مبنيٌّ على أصولٍ ظاهرةٍ في الشريعة: تعظيم حرمة الإسلام، والحكم بالظاهر، وترك السرائر لله، وجمع الكلمة، وسدّ ذرائع الظنون.
أولاً: الأصل الذي تُبنى عليه المسألة
الأصل فيمن مات على ظاهر الإسلام ولم يثبت عنه ما ينقضه: أنه داخلٌ في أخوة الإيمان، مستحقٌّ لحقوقها، ومن أعظم تلك الحقوق الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
والترحّم ليس شهادةً بالجنة، ولا تزكيةً للسريرة، ولا إقراراً للذنب، وإنما هو سؤالٌ لربٍّ رحيم أن يعامل عبده بفضله، وأن يتجاوز عن تقصيره. ومن منع الدعاء لا يمنع شهادةً بالجنة، بل يمنع سؤال الرحمة، وهو أمرٌ أوسع من التزكية وأبعد عن القطع.
وقد دلّ القرآن على عموم الدعاء للمؤمنين بقوله:
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان
فجعل وصف الإيمان مناطاً عاماً للدعاء، ولم يُعلّقه بدرجة الكمال، ولا بنقاء السجلّ من الذنوب.
كما أن النهي عن الاستغفار إنما ورد فيمن تبيّن موته على الشرك، فجعل مناط المنع: التبيّن. فدلّ على أن الأصل قبل التبيّن هو بقاء الحكم بالظاهر.
ثانياً: حكم الظاهر وترك الباطن
من القواعد المتفق عليها في التعامل مع المسلمين: أن الناس يُعاملون بما ظهر منهم، وأن الباطن إلى الله. ولم يكلّفنا الشرع معرفة السرائر، ولا إقامة محاكم للنيات، ولا تعليق الأحكام على ما لا سبيل إلى علمه.
وقد تعامل النبي ﷺ مع من أظهر الإسلام معاملة المسلمين، وترك سرائرهم إلى الله، ولم يُحمّل الأمة تمييز البواطن، بل نهى عن تتبّع العورات، وحذّر من الظنون، وجعل الستر خلقاً إيمانياً.
فإذا كان هذا هو المنهج في الحياة، فهو أولى بعد الموت؛ إذ الميت قد انقطع عمله، وبقي حقّه في الدعاء، ولا سبيل لأحدٍ إلى الجزم بحاله الباطن.
ثالثاً: الصلاة على الجنازة ودلالتها
الصلاة على الجنازة دعاءٌ خالصٌ للميت، وأعظم مقاصدها طلب المغفرة والرحمة له. ولو كان من المشروع أن تُصلّى الجنازة بلا دعاءٍ أو مع تعليق الدعاء بحكمٍ باطني؛ لبيّنه النبي ﷺ بياناً شافياً، إذ الحاجة داعية إليه في كل عصر.
والنصوص في الدعاء للميت جاءت مطلقةً في “الميت المسلم”، ولم تُقيّدها بدرجة الصلاح، ولا بمرتبة الكمال، بل إن الدعاء إنما شُرع للخطّائين، لأن الكاملين – إن وُجدوا – أقلّ حاجة إلى سؤال العفو من غيرهم.
رابعاً: انتفاع الميت بالدعاء وأعمال الأحياء
ثبت أن دعاء الحي يصل إلى الميت وينفعه، وأن الصدقة عنه والحج عنه والصوم عنه تنفعه. وهذه النصوص جاءت عامة، ولم يُسأل فيها عن حال الميت من حيث جودة عمله، ولا طُلب من السائل أن يتحقق من مستوى تقواه قبل أن يتصدق عنه أو يحج عنه.
فإذا كان الشرع فتح هذه الأبواب العظيمة للانتفاع بعد الموت، فباب الدعاء أولى وأيسر، ولا يصح أن يُضيّق ما وسّعه الشرع.
خامساً: ضبط الاستثناء المشروع
ليس المقصود إطلاق الباب بلا ضابط، بل ردّه إلى ضابطه الصحيح.
فالترحّم يُمنع في حالتين واضحتين:
- من ثبت موته على الكفر الصريح بعد التبيّن.
- من أظهر استخفافه بالدين ومحارمه، وجاهر بالاستهتار بأركانه، وأعلن موقفاً مضاداً لأصل الإسلام حتى مات على ذلك.
وهنا يلزم ضبط المفاهيم حتى لا تُستعمل فضفاضةً فتُفسد أكثر مما تُصلح:
المجاهرة: هي إظهار المعصية وإعلانها، لا مجرد وقوعها سراً.
الاشتهار: هو ثبوت الأمر واشتهاره بين الناس على وجهٍ لا ارتياب فيه، لا مجرد شائعةٍ أو نقلٍ غير محقق.
الاستهتار بالدين: هو التهوين من أركانه ومحارمه، أو السخرية بها، أو الإصرار عليها مع إعلان التحدي، لا مجرد الوقوع في ذنبٍ مع الاعتراف بخطئه.
فليس كل عاصٍ مجاهراً، ولا كل مقصّر مستهتراً، ولا كل مشهور بعيبٍ ثابتاً عليه بوجهٍ يُبنى عليه الحكم.
سادساً: مناقشة حجّة الوقوف
قد يُقال: الوقوف أسلم، لأن فيه احتياطاً.
والجواب: الاحتياط المحمود هو ما لم يُفضِ إلى تعطيل أصلٍ ثابت، أو إلى إحداث قسوةٍ اجتماعيةٍ تُناقض روح الشريعة.
فالوقوف إذا تحوّل إلى قاعدةٍ عامة في المسلمين، أدى إلى:
- تعليق الدعاء على علمٍ لا سبيل إليه.
- إشاعة مناخ الشك وسوء الظن.
- تضييق دائرة الأخوة حتى لا يبقى أحدٌ يُدعى له إلا من شهد له الناس بالكمال.
- فتح باب التفتيش في السرائر وتتبع العورات.
والشريعة لم تجعل سلامة الدين في تضييق الدعاء، بل في تقوى الله، والنصيحة، والعدل، والستر، والرفق.
سابعاً: البعد التاريخي وأثره في بعض مواقف التشدد
ومن المهم فهم السياق التاريخي الذي وُلدت فيه بعض مواقف التحفّظ الشديد في باب الولاية والوقوف.
ففي المراحل الأولى من التاريخ، كانت الجماعات الإباضية – على سبيل المثال – فئةً قليلةً مستضعفة، تتعرض لتشويهٍ متعمّد، وتُرمى بلقب “الخوارج”، وكان من يُعرَف منهم يقع تحت طائلة السلطة، وقد يُقتل أو يُعذَّب. وفي مثل هذا السياق، كان التحفّظ في الولاية وعدم التوسّع فيها مفهوماً من جهة الواقع؛ إذ كانت سلامة الجماعة وحفظ أفرادها يقتضي الحذر، وعدم إعلان الولاء إلا لمن عُرف حاله يقيناً، وكان لذلك بُعدٌ أمنيٌّ واجتماعيٌّ واضح.
أما اليوم، فقد تغيّرت الأحوال؛ فالإباضية مذهبٌ معتبر، وعددهم كبير، وهم جزءٌ أصيلٌ من الأمة المسلمة، يعيشون في مجتمعاتٍ مفتوحة، لا يُستضعفون فيها كما كان أسلافهم. فانتقال الحكم من ظرف الاستضعاف والاتهام إلى ظرف الاستقرار والاعتراف يقتضي إعادة النظر في توسيع دائرة الأخوة الظاهرة، والرجوع إلى الأصل الجامع: أن من ثبت له الإسلام ظاهرًا ثبتت له حقوقه.
فليس من الإنصاف أن تُحمَل أحكام وُلدت في ظرفٍ استثنائيٍّ ضيّق على واقعٍ مختلفٍ تماماً في معطياته.
ثامناً: هل يؤدي الترحم العام إلى التسيّب؟
الترحّم لا يعني الرضا بالمعصية، ولا إسقاط محاسبة الله، ولا تعطيل الإنكار. بل هو اعترافٌ بأن البشر خطّاءون، وأن النجاة برحمة الله لا بكمال الأعمال.
وقد قال ﷺ: لن ينجو أحدٌ منكم بعمله… قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.
فإذا كان هذا في حق خير الخلق، فكيف يُمنع الدعاء عن مسلمٍ قصّر، ونحن نرجو لأنفسنا ما نرجوه له؟
خاتمة جامعة
القاعدة التي تطمئن إليها النفوس وتستقيم مع أصول الشريعة هي:
نترحّم ونستغفر لكل من مات على ظاهر الإسلام، ولم يثبت عنه ناقضٌ بيّن، ولا نجعل المعصية – ما لم تبلغ حدّ المجاهرة بالاستهتار بالدين – مانعاً من الدعاء، لأن الدعاء إنما شُرع للخطّائين.
ونترك السرائر لله، ونحفظ حرمة الشهادتين، ونغلق باب الظنون، ونفتح باب الرحمة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ع ح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق