وَصْفُ البلاغةِ بألسنةِ أهلِ الصناعة:
الطيّارُ: أحسنُ الكلامِ ما لا تؤثرُ عليه الأهواءُ، يُحلِّق
به رُبّانُ التدبيرِ، وتُسرِعُ به مُحركاتُ البَيانِ، خفيفاً في المَساراتِ العَليَّة،
بتوجيهِ راداراتِ الحِكمةِ، مع ثِقَلِ جَوهرِه، ونفاسةِ قيمتِهِ، وعظيمِ خطرِه، لِيَحُطَّ
بالمقاصدِ الساميةِ، في أنسبِ توقيتٍ، ولا يُغلقُ دون ما جاء به بابٌ.
الجوهري: أحسن الكلام نظاماً ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته
الفطنة، ونُضد جوهر معانيه في سموط ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.
العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه؛ ففاح
نسيم نشقه، وسطت رائحة عبقه؛ فتعلقت به الرواة، وتعطرت به السراة.
الصائغ: خير الكلام ما أحميته بِكور الفكرة، وسبكْته
بمشاعل النظر، وخلَّصتَه من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز في معنىً وجيز.
الصيرفي: خير الكلام ما نقدته يد البصيرة، واجتلته عين
الروية، ووزن بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيفه، ولا سماع يبهرجه.
الحداد: خير الكلام ما نصبت عليه منفخة الروية، وأشعلت فيه
نار البصيرة، ثم أخرج من فحم الإفحام، ورُقق بفطيس الإفهام.
النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدّوم التقدير،
ونشرته بمنشار التدبير، فصار باباً لبيت البيان، وعارضةً لسقف اللسان.
النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه، وحسنت مطارح
معانيه؛ فتنزهت في زرابي محاسنه عيون الناظرين، وأصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين.
الماتح: أبين الكلام ما عَلَّقْتَ وَذَمَ (سيور)ألفاظه
بكرب معانيه، ثم أرسلْتَه بقليب الفطن، فمنحتَ به سقاءً يكشف الشبهات، واستنبطتَ
به معنى يروي من ظمأ المشكلات.
الخياط: البلاغة قميص، جربانه البيان، وجيبه المعرفة، وكُمَّاه
الوجازة، ودخاريصه الإفهام، ودروزه الحلاوة، ولابسه جسد اللفظ، وروحه المعنى.
الصباغ: أحسن الكلام ما لم تَنْصَلْ بهجة إيجازه، ولم تكشف
صبغة إعجازه، وقد صقلته يد الرَّوية من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألف
عذارى الألباب.
البزاز: أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه،
فلم يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طي.
الحائك: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه،
فخرج مفوفاً منيراً، وموشى محبراً.
الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حد التخليع إلى منزلة
التقريب إلا بعد الرياضة؛ وكان كالمهر الذي أطمع أول رياضته، في تمام ثقافته.
الجمّال: البليغ من أخذ بخطام كلامه فأناخه في مبرك
المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالاً، والإيجاز له مجالاً، لم يند عن الأذهان، ولم
يشذ عن الآذان.
الخَود: خير الكلام ما امتلأت أردافه، وتثنّت أعطافه،
وكان لفظه حلةً، ومعناه حليةً.
الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفاه راووق
الفهم، وضمته دنان الحكمة، فتمشت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقته، وفي العقول
حدته.
الفُقَّاعي[1]: خير الكلام ما روَّحت
ألفاظُه غباوةَ الشك، ورفعتْ رقتُه فظاظةَ الجهل، فطاب حَساءُ فطنتِه، وعذب مَصُّ
جُرعتِه.
الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر بيانُه سقمَ الشُّبهة،
استطلقتْ[2] طبيعةُ الغباوة؛ فشَفى من
سوء التفهم، وأورث صحة التوهم.
الكحَّال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فالشبهة قذى البصائر،
فاكحل عين الُّلكنة بمَيل البلاغة، واجل رَمَص الغفلة بمِروَد اليقظة.
وأجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام، ما إذا أشرقت شمسُه،
انكشفَ لَبسُه، وإذا صدقتْ أنواؤه، اخضرتْ أحماؤه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق